خالد بن سالم الغساني
كشفت الحرب الدائرة في المنطقة بوضوح حقيقة طالما كانت معروفة نظريًا، لكنها لم تظهر بهذا الوضوح إلا تحت ضغط الأحداث: الموقع الجغرافي لعُمان ليس مُجرد ميزة جغرافية، بل أصل استراتيجي بالغ الأهمية للمنطقة والعالم.
فعندما تضطرب الممرات البحرية وتتأثر حركة التجارة والطيران بفعل الصراع، يصبح البحث عن منافذ آمنة ومستقرة ضرورة للاقتصاد العالمي. وهنا يبرز موقع عُمان بوصفه أحد أهم المواقع القادرة على توفير هذا الاستقرار، بفضل سواحلها الممتدة على المحيط الهندي خارج نقاط الاختناق البحرية التي تمر بها أغلب طرق التجارة في المنطقة.
لقد أظهرت الحرب الجارية عمليًا أن الموانئ والمطارات العُمانية يمكن أن تتحول إلى منافذ بديلة لحركة التجارة والنقل عندما تتعرض المسارات التقليدية للاضطراب. وهذه الحقيقة لا تعني أن الموقع العُماني يخدم السلطنة وحدها، بل إنه يمثل قيمة استراتيجية يستفيد منها الخليج وشبكات التجارة العالمية على حد سواء.
وهنا تحديدًا تكمن الفكرة الأهم التي كشفتها الأحداث: فائدة الموقع العُماني لم تعد مسألة وطنية فحسب، بل أصبحت مسألة إقليمية ودولية أيضًا.
غير أنَّ هذه الحقيقة تضع أمامنا مسؤولية لا تقل أهمية. فإذا كانت الحرب قد كشفت قيمة هذا الموقع للجميع، فإنَّ من الضروري أن نلتفت نحن- أصحاب هذا الموقع- إلى كيفية تحويل هذه القيمة إلى منفعة مستدامة لعُمان ولشركائها في المنطقة والعالم.
الموقع الجغرافي لا ينبغي أن يكون مفيدًا فقط عندما تضطر الدول إلى البحث عن بدائل في أوقات الأزمات، بل يجب أن يتحول إلى جزء دائم من منظومة التجارة والخدمات اللوجستية في المنطقة.
ومع وجود موانئ مثل السلطان قابوس وصلالة والدقم وصحار، تمتلك سلطنة عُمان بنية أساسية تؤهلها لأن تكون مركزًا لوجستيًا مهمًا على مستوى الإقليم.
ولا تقل المطارات أهمية عن الموانئ في هذا السياق. فقد أظهرت الحرب الجارية أيضًا قيمة المجال الجوي العُماني ومطاراته عندما ازدحمت أجواء المنطقة بالحركة وأُغلقت مطارات ومسارات جوية عديدة. في تلك اللحظة برزت مطارات السلطنة بوصفها منافذ آمنة للطيران الدولي. وقد عرفت مدرجات مطاري مسقط وصلالة، وصالاتهما، حركة كثيفة من الطائرات والمسافرين لم يشهدانها من قبل، في مشهد عكس بوضوح الدور الذي يمكن أن تؤديه هذه المطارات في شبكة النقل الجوي الإقليمية.
ومن هنا تبرز أهمية تهيئة المطارات العُمانية لكي تلعب هذا الدور بصورة دائمة؛ فمطار صلالة، على سبيل المثال، يمتلك من حيث البنية الأساسية والموقع ما يؤهله لأن يكون ناقلًا دوليًا مهمًا ومركزًا لوجستيًا للطيران، وهو عمليًا جاهز إلى حد كبير ولا يحتاج إلا إلى استكمال بعض الخدمات المحدودة ليقوم بهذا الدور إلى جانب مطار مسقط.
لكن قيمة الموقع العُماني لا تتجلى في الجغرافيا وحدها؛ بل في السياسة التي أدارت هذه الجغرافيا أيضًا. فقد عُرفت السلطنة بسياسة خارجية تقوم على الحياد الإيجابي، وعلى السعي الدائم إلى التهدئة وبناء الجسور بين الأطراف المختلفة. وهذه السياسة، التي جعلت من عُمان واحة للاستقرار وداعية للسلام، أصبحت اليوم عنصرًا أساسيًا في الثقة الدولية بالموقع العُماني وبأمنه.
الدول لا تبحث فقط عن الموانئ والمطارات الآمنة، بل تبحث أيضًا عن البيئات السياسية المستقرة التي يمكن الاعتماد عليها. وقد أثبتت عُمان عبر عقود أنها بلد يحرص على الاستقرار الإقليمي، ويتجنب الصراعات، ويسعى دائمًا إلى الحوار. ولهذا بات أمن عُمان واستقرارها موضع حرص ليس من أبنائها فحسب، بل من شركائها في المنطقة والعالم الذين يدركون أهمية هذا الدور.
لقد كشفت الحرب الجارية قيمة الجغرافيا العُمانية بوضوح، وكشفت معها أيضًا قيمة السياسة التي حافظت على هذا الموقع آمنًا ومستقرًا. والتحدي اليوم ليس في إدراك هذه الحقيقة، بل في استثمارها برؤية بعيدة المدى، بحيث لا يكون هذا الموقع ملاذًا مؤقتًا في زمن الأزمات، بل ركيزة دائمة للاقتصاد العُماني وللاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي.
الجغرافيا قد تمنح الدولة فرصة، لكن تحويلها إلى قوة مستدامة يحتاج إلى رؤيةٍ وتخطيطٍ وقرارٍ.
