علي بن سهيل المعشني (أبو زايد)
في كل عام، ومع بدايات يونيو، تبدأ السحب الخريفية في رسم موعدها الأزلي مع ظفار.
هناك، في أقصى جنوب عُمان، تنطلق سحب الخريف مدفوعة برياح «الكوس» الجنوبية، بعد رحلة طويلة تقطع آلاف الكيلومترات عبر جنوب المُحيط الهندي وبحر العرب، حتى تستقر برداً وسلاماً على جبال وهضاب ظفار، لتصنع واحدة من أندر الظواهر المناخية على وجه الأرض.
إنها لوحة ربانية بديعة، تتجلى فيها عظمة الخالق جلّت قدرته؛ حيث تتحول الجبال الجرداء إلى بساط أخضر، وتولد الشلالات من قلب الصخور، ويعانق الضباب قمم الجبال في مشهد أقرب إلى الأساطير منه إلى الواقع.
إنَّ هذه المعجزة الطبيعية المتجددة، والهبة الاستثنائية التي منحها الله لظفار، لتكون واحدة من أجمل بقاع العالم وأكثرها فرادة.
ومع ذلك، ورغم ما تمتلكه المحافظة من مقومات طبيعية وثقافية وإنسانية هائلة، فإنَّ الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن ظفار ما زالت جوهرة لم تُصقل بعد.
لقد منح الله ظفار كل عناصر التميز، لكن الإنسان لم يمنحها حتى الآن ما يوازي قيمة هذه العطية؛ ففي الوقت الذي تتجه فيه دول العالم إلى صناعة وجهات سياحية عالمية من موارد أقل بكثير مما تملكه السلطنة، ما زالت مدينة صلالة والولايات التي تشكل نطاق الخريف تعاني تحديات بنيوية في الطرق، والدوارات التي لم تعد تستوعب الكثافة المرورية، والشوارع الضيقة التي تشهد اختناقات متكررة، كلها مؤشرات تؤكد أن البنية الأساسية الحالية لم تعد قادرة على مواكبة النمو المتسارع الذي تشهده المحافظة.
ومع توقع استقبال أكثر من مليون ونصف المليون زائر خلال موسم الخريف، واستمرار الزيادة السنوية في أعداد السياح، فإن تطوير البنية التحتية لم يعد خياراً قابلاً للتأجيل؛ بل أصبح ضرورة تنموية ملحّة.
إن ظفار بحاجة إلى مشروع وطني كبير، وإلى رؤية مستقبلية جريئة، تقوم على إعداد مخطط عمراني وسياحي شامل، تشرف تصيغه بيت خبرة عالمية متخصصة، في وضع حلول متكاملة للطرق، والمرافق العامة، والمنتزهات، والواجهات السياحية، والمناطق الترفيهية، وشبكة تصريف المياه، بما يليق بمكانة المحافظة وأهميتها الاستراتيجية.
المنافسة السياحية العالمية لم تعد تقوم على جمال الطبيعة وحده، بل على جودة التجربة التي يعيشها الزائر، وسهولة الوصول، وكفاءة الخدمات، ومستوى البنية الأساسية.
وفي الوقت نفسه، يجب ألا يتحول التطوير إلى خصم من رصيد الطبيعة، بل إلى شريك في حمايتها.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروع وطني طموح يتمثل في إعلان جبال ظفار حديقة طبيعية وطنية كبرى، تُدار وفق أفضل الممارسات البيئية العالمية، مع سن تشريعات خاصة تحمي الغطاء النباتي، وتحافظ على التنوع البيولوجي، وتنظم الاستثمار بما يضمن استدامة الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
إن جبال ظفار تعتبر نظاما بيئيا متكاملا، وذاكرة حضارية، ومتحفا طبيعيا مفتوحا، يحتضن تراثاً إنسانياً غنياً يمتد على ثلاث بيئات: الحضرية والريفية والبدوية؛ حيث الموروثات القديمة، مثل ثقافة اللبان، وأنماط الحياة التقليدية التي شكلت هوية المكان عبر قرون طويلة.
وهنا تكمن الفرصة الحقيقية؛ فالعالم اليوم لم يعد يبيع المنتجات فقط، بل يبيع القصص والثقافات والتجارب الإنسانية كمنتج ثقافي.
ومن هذا المنطلق، يمكن تحويل الموروث الثقافي إلى صناعة اقتصادية متكاملة، وإلى منتج ثقافي عالمي يدر دخلاً مستداماً، ويخلق فرص عمل، ويعزز حضور المحافظة على خارطة السياحة الدولية.
إنَّ الحفاظ على الهوية الثقافية، وتوثيق الفنون الشعبية، وإحياء الموروث الرعوي، وتطوير مسارات السياحة البيئية، وإنشاء المتاحف المفتوحة والمراكز الثقافية، كلها استثمارات في المستقبل، وليست مجرد مشاريع ترفيهية.
ولعل السؤال الأهم اليوم ليس: ماذا تملك ظفار؟ الإجابة معروفة للجميع.
غير أن السؤال الحقيقي هو: هل قدمنا لظفار ما تستحقه؟
إن هذه المحافظة التي وهبها الله كل هذا الجمال، تستحق أن تصبح نموذجاً عالمياً للتنمية المستدامة، وأن تتحول إلى وجهة سياحية دولية تعمل طوال العام، لا خلال موسم الخريف فقط.
ظفار لا تحتاج إلى اكتشاف جديد، بل تحتاج إلى قرار كبير.. قرار يؤمن بأن هذه الأرض ليست كنزاً محلياً فحسب، بل ثروة وطنية وإنسانية قادرة على أن تضع عُمان في مكانة استثنائية على خارطة السياحة العالمية.
ومن بين الضباب الذي يلامس الجبال، ومن بين خرير الشلالات، ومن بين رائحة اللبان التي عبرت التاريخ، يظل صوت المكان يردد رسالة واحدة:
ظفار ليست أقل مما تستحقه الأحلام الكبرى؛ فهي الجوهرة التي آن الأوان لأن تُصقَل.
