"حزب الله" وهوية المقاومة

 

 

 

خالد بن سالم الغساني

 

يطفو إلى السطح في الآونة الأخيرة حديثٌ متكرر عن إعادة هيكلة حزب الله، وغالبًا ما يُقدَّم هذا التعبير باعتباره وصفًا لمرحلة جديدة يُفترض أن يمر بها الحزب بعد الحرب الأخيرة على لبنان وما رافقها من تحولات إقليمية ودولية. غير أن هذا الطرح يُقدَّم في كثير من الأحيان بصورة تبسيطية تختزل واقعًا أكثر تعقيدًا، وتتعامل مع الحزب كما لو كان كيانًا يمكن إعادة تشكيله بقرار خارجي أو بضغوط عسكرية وسياسية منفصلة عن البيئة التي نشأ فيها.

إعادة الهيكلة بحد ذاتها، أمرٌ طبيعي ومألوف في العمل السياسي والتنظيمي. فالتنظيمات السياسية والعسكرية الكبرى تعيد تقييم تجاربها بصورة مستمرة، وتراجع أدواتها وأولوياتها وبناها التنظيمية استجابة للمتغيرات. ولا يبدو حزب الله استثناءً من هذه القاعدة، إذ شهدت تجربته عبر العقود مراجعات وتكيّفات متعددة فرضتها ظروف لبنان والمنطقة. وهذا لا يعني التخلي عن الهوية أو الأهداف الأساسية، بل غالبًا ما يكون وسيلة للحفاظ عليها في ظروف جديدة.

لكن النقاش الدائر اليوم يتجاوز الجوانب التنظيمية والإدارية إلى سؤال أكثر حساسية، وهو، هل يمكن أن تقود الضغوط المتراكمة إلى تغيير جوهري في موقع حزب الله ودوره، وخصوصًا في ما يتعلق بسلاح المقاومة؟

هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة بعد الحرب الأخيرة وما رافقها من رهانات إسرائيلية وأمريكية واضحة على إضعاف الحزب أو دفعه إلى إعادة تعريف دوره داخل لبنان. غير أن ما أظهرته الوقائع هو أن الحزب، رغم الخسائر والتحديات، لم يتعامل مع المسألة كونها نقاشًا حول البنية التنظيمية، وإنما نقاشًا يتعلق بجوهر وظيفته التي تأسس عليها منذ البداية.

فحزب الله لم ينشأ كحزب سياسي تقليدي ثم امتلك جناحًا عسكريًا لاحقًا، بل نشأ في الأصل في سياق مقاومة الاحتلال الإسرائيلي للبنان. ومن هنا فإنَّ السلاح بالنسبة إليه لا يمكن فصله عن هويته أو تأجيل البحث فيه إلى مرحلة لاحقة، إنه يمثل أحد أهم أعمدة وجوده السياسية والعقائدية والاستراتيجية.

هذا لا يعني أن الحزب يرفض المراجعة أو التكيّف. على العكس، فقد أثبت خلال العقود الماضية قدرة كبيرة على التكيف مع المتغيرات، سواء في بنيته الداخلية أو في حضوره السياسي أو في طبيعة أدواره الإقليمية. لكنه يميز بين تطوير الأدوات وبين التخلي عن الأسس التي قام عليها.

وفي هذا السياق يبرز الحديث المتكرر عن الدور الإيراني؛ فالبعض يقدّم أي نقاش حول مستقبل الحزب باعتباره قرارًا تتخذه طهران نيابة عنه، بينما يذهب آخرون إلى إنكار عمق العلاقة بين الطرفين. والحقيقة أن كلا التوصيفين يبتعد عن الواقع.

حزب الله ليس تنظيمًا منفصلًا عن حلفائه، كما أنه ليس جهازًا تابعًا يُدار بالتوجيهات اليومية؛ فهو جزء من محور إقليمي واضح، تجمعه بإيران روابط عقائدية وسياسية واستراتيجية عميقة، ويحصل منها على أشكال مختلفة من الدعم والتنسيق. لكن هذه العلاقة لا تلغي حقيقة أن الحزب يعمل داخل بيئة لبنانية شديدة التعقيد، وأن قراراته المرتبطة بالشأن اللبناني تُصاغ في ضوء حسابات محلية لا يمكن لأي طرف خارجي أن يحل محلها.

وقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن القوى الدولية والإقليمية، بما فيها الولايات المتحدة نفسها، تدرك هذه الحقيقة. فعندما تصبح المقاومة طرفًا مؤثرًا في معادلات الحرب والتهدئة، فإن التعامل معها يجري باعتبارها لاعبًا سياسيًا وعسكريًا يمتلك وزنًا ومكانًا حقيقيًا على الأرض، وليس أداة تنفذ إرادة الآخرين.

من هنا، فإنَّ أي حديث عن إعادة هيكلة الحزب ينبغي فهمه في إطار إدارة مرحلة جديدة وتقييم التجربة واستخلاص الدروس، لا في إطار التخلي عن عناصر القوة التي يعتبرها جزءًا من دوره وسببًا في استمراره؛ فالتطوير التنظيمي شيء، وإعادة تعريف الذات بصورة جذرية شيء آخر مختلف تمامًا.

لقد أثبتت التجارب أن التنظيمات التي تعمل في بيئات صراعية معقدة لا تستمر بالجمود، لكنها كذلك لا تتخلى عن الأسباب التي منحتها شرعيتها وقاعدتها الاجتماعية. وحزب الله ليس استثناءً من هذه القاعدة.

وفهم موقع حزب الله يقتضي الابتعاد عن ثنائية التبعية المطلقة والاستقلال المطلق؛ فالعلاقة مع إيران هي علاقة تحالف استراتيجي عميق، لكنها لا تلغي خصوصية القرار اللبناني للحزب. كما أن أي مراجعة أو تطوير داخلي لا تعني بالضرورة التخلي عن سلاح المقاومة أو عن الدور الذي يعتبره الحزب جزءًا من هويته ووظيفته الأساسية.

أما إعادة الهيكلة- إن كانت مطروحة فعلًا- فهي تبقى في جوهرها سؤالًا حول كيفية إدارة المرحلة المقبلة وتعزيز القدرة على الصمود والتأثير، لا سؤالًا حول التخلي عن الخيارات التي تشكل أساس وجود الحزب؛ لذلك فإن النقاش الحقيقي اليوم لا يدور حول بقاء المقاومة من عدمه، بل حول شكلها وأدواتها وحدود حركتها في مرحلة جديدة. أما الرهان على أن الضغوط والحروب كفيلة وحدها بإلغاء فكرة تأسست عليها حركة كاملة وبيئة اجتماعية واسعة، فهو رهان أثبتت تجارب المنطقة مرارًا أنه أكثر بساطة من الواقع نفسه.

الأكثر قراءة

z