د. سلطان بن سالم العيسائي
في العلاقات الدولية الحديثة، لم تعد الحروب تُخاض دائمًا بهدف الحسم العسكري المباشر؛ بل أصبحت في كثير من الأحيان أدوات لإعادة تشكيل النفوذ السياسي والاقتصادي والاستراتيجي. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة التصعيد الأمريكي الإيراني بوصفه نموذجًا معقدًا لصراع تتداخل فيه حسابات القوة مع اعتبارات الردع، وتتشابك فيه المصالح الإقليمية مع التحولات الدولية المتسارعة.
الولايات المتحدة الأمريكية تنظر إلى منطقتنا باعتبارها فضاءً حيويًا مرتبطًا بأمن الطاقة العالمي، واستقرار الممرات البحرية، وحماية شبكة التحالفات الاستراتيجية الممتدة في الخليج والشرق الأوسط. وفي المقابل؛ تسعى إيران إلى ترسيخ حضورها الإقليمي عبر أدوات سياسية وعسكرية وأمنية متعددة، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن النفوذ الإقليمي يمثل ضمانة أساسية لأمنها القومي ومكانتها الجيوسياسية.
غير أن اللافت في هذا الصراع أن كِلا الطرفين يدرك حجم التكلفة الباهظة لأي مواجهة شاملة؛ فالحرب المباشرة لم تعد مجرد اشتباك عسكري محدود؛ بل أصبحت تهديدًا يمتد إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحركة الملاحة الدولية، خصوصًا في منطقة الخليج العربي التي تمثل أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم. ولذلك، تبدو المواجهة في كثير من الأحيان أقرب إلى "إدارة للتصعيد" منها إلى رغبة حقيقية في الوصول إلى حرب مفتوحة.
وفي ضوء ذلك، بَرَز مفهوم "الحروب الرمادية" أو "الصراعات منخفضة الحِدَّة"، وهي أنماط من المواجهات التي تعتمد على الضغوط السياسية، والعقوبات الاقتصادية، والرسائل العسكرية المحدودة، والحروب الإعلامية، بدلًا من الانخراط في معارك تقليدية واسعة النطاق، وقد أسهمت هذه التحولات في جعل الصراعات الدولية أكثر تعقيدًا؛ حيث لم يعد النصر يُقاس فقط بالسيطرة العسكرية؛ بل بالقدرة على استنزاف الخصم سياسيًا واقتصاديًا ونفسيًا.
كما كشفت الأزمة الأمريكية الإيرانية عن تحوّل مهم في طبيعة النظام الدولي؛ إذ لم تعد القوى الكبرى تبحث دائمًا عن إنهاء الصراعات بقدر ما تسعى إلى إدارتها ضمن حدود تمنع الانفجار الكامل وتحافظ في الوقت ذاته على توازنات النفوذ والمصالح، ومن هنا؛ أصبحت المنطقة العربية تواجه تحديًا متزايدًا يتمثل في ضرورة بناء سياسات أكثر قدرة على حماية الاستقرار الوطني وتقليل التأثر بالاستقطابات الدولية الحادة.
وفي ظل هذه البيئة المتوترة، تتجلى أهمية الدبلوماسية العقلانية التي تقوم على الحوار، واحتواء الأزمات، وتغليب المصالح المشتركة؛ لأن المنطقة لم تعد تحتمل مزيدًا من الصراعات المُمْتَدَّة التي تستنزف التنمية وتؤخر فرص الاستقرار؛ فالحروب الحديثة مهما اختلفت أدواتها، تترك آثارًا عميقة لا تتوقف عند حدود السياسة؛ بل تمتد إلى الإنسان والاقتصاد ومستقبل الأجيال القادمة.
