أوقفوا التنمُّر المؤسسي

 

 

 

د. صالح سعيد مسن

 

التنمُّر في العمل الحكومي يؤدي إلى حالة من الشعور بالأفضلية لفريق معين مدعوم من قبل جهات حكومية معينة والإحباط لدى الآخرين الذين لا يشعرون أنهم مسنودون؛ فالتنمُّر لا يقتصر على الكلمات الجارحة أو الممارسات المباشرة، بل قد يتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا وخطورة عندما يتحول إلى سلوك مؤسسي غير مُعلن يقوم على التمييز وفقًا لدوائر النفوذ والدعم، لا وفقًا للكفاءة والإنجاز.

في هذه الحالة، ينشأ شعور لدى فئة من المسؤولين بأنهم يتمتعون بمكانة استثنائية بسبب قربهم من أصحاب القرار أو ارتباطهم بمراكز نفوذ معينة. ومع مرور الوقت، لا ينعكس هذا الشعور على سلوكهم الشخصي فحسب، بل يمتد أثره إلى ثقافة المنظومة الحكومية بأكملها، حيث تتشكل قناعة لدى الآخرين بأنَّ النجاح الوظيفي لا يعتمد على الأداء بقدر ما يعتمد على الانتماء إلى "الفريق الصحيح".

وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها تخلق بيئة عمل منقسمة إلى معسكرات غير معلنة؛ فريق يشعر بأنَّه محصّن ومدعوم، وفريق آخر يشعر بأنه مهمّش مهما بلغت كفاءته أو اجتهاده. وفي مثل هذه البيئات، تُفقد الثقة في عدالة التقييم والأداء، ويتراجع الحماس للإبداع والمبادرة، لأن الجهد والمثابرة لا يبدوان العامل الحاسم في تحديد الفرص والمسارات المهنية.

ومن أكثر المؤشرات إثارة للقلق أن بعض المسؤولين يبدأون في استمداد مكانتهم من علاقاتهم ونفوذ داعميهم أكثر من استمدادها من مناصبهم الرسمية أو إنجازاتهم المهنية. وقد يصل الأمر إلى شعور بعضهم بالتفوق على مسؤولين أعلى منهم في السلم الإداري، لمجرد أنهم يحظون بدعم شخصيات نافذة أو يشاركون في لقاءات مسائية خاصة مع بعض هذه الشخصيات النافذة. وهنا تتحول السلطة غير الرسمية إلى مصدر للهيبة والنفوذ يتجاوز أحيانًا حدود الهيكل التنظيمي نفسه.

أعرف رئيسًا تنفيذيًا لمؤسسة عامة تمرد على مجلس إدارته ليس بسبب قوة شخصية الرئيس التنفيذي ولا كفاءته العملية وإنما بسبب قربه الشديد من شخصية وزارية كبيرة تكفَّل له بالتخلص من مجلس الإدارة. وعلى الرغم من ارتكاب الرئيس التنفيذي لمخالفات مالية واضحة وتشكيل مجلس الإدارة لجنة محايدة للتحقيق في المخالفات بشكل مهني بحت ورفع الموضوع لجهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة، فقد أطاح الرئيس التنفيذي بمجلس الإدارة بأسره، قبل اكتمال التحقيق معه، وجرى حل مجلس الإدارة بشكل مفاجئ بناءً على دعم قوي ومباشر من صديقه الوزير!

هذه الممارسات لا تضُر بالأفراد فقط، بل تضر بالمنظومة الإدارية والدولة على حد سواء؛ فالمؤسسات الناجحة تُبنى على وضوح الصلاحيات، وعدالة المنظومة، وشفافية التقييم، بينما تؤدي مراكز النفوذ غير الرسمية إلى تشويه منظومة الحوكمة وإضعاف الثقة الداخلية. وعندما يفقد الموظفون إيمانهم بأن الكفاءة لسيت هي الطريق الطبيعي للتقدم، تبدأ المؤسسات بخسارة أهم أصولها: الكفاءات البشرية.

لقد أثبتت التجارب الإدارية الحديثة أن العدالة التنظيمية ليست قيمة أخلاقية فحسب، بل هي شرط أساسي للإنتاجية والاستقرار المؤسسي. فشعور الجميع بالإنصاف يؤدي إلى أن تكون المنظومة بكاملها أكثر التزامًا وعطاءً، بينما يؤدي الشعور بالتمييز والمحاباة بناءً على معايير شخصية تؤدي إلى تراجع الأداء، حتى وإن استمر الجميع في أداء واجباته الشكلية.

إن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات الحكومية لا يتمثل فقط في مكافحة التنمُّر المباشر، بل في مواجهة كل الممارسات التي تكرس ثقافة الاصطفاف والولاءات الشخصية. فالدولة الحديثة لا تُدار بمنطق "هذا صاحبنا أو هذا ابن فلان"، وإنما بمنطق الكفاءة والمسؤولية والنتائج.

وفي النهاية، تبقى المؤسسات القوية هي تلك التي تجعل الموظف يشعر أن مستقبله المهني تحدده قدراته وإنجازاته، لا شبكة علاقاته. وعندما تسود هذه القناعة، تتحول المنافسة إلى قوة دافعة للتطوير، أما عندما تغيب، فإن الإحباط يصبح ثقافة، وتفقد المنظومة الإدارية جزءًا من قدرتها على تحقيق أهدافها.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z