وشهد شاهد من أهلها.. من يفتح ملف التنمُّر المؤسسي؟

 

حمود بن علي الطوقي

أثار ما نشره الدكتور صالح بن سعيد مسن، الذي شغل عدة مناصب، آخرها وكيل وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار للتجارة والصناعة السابق، في مقاله بجريدة «الرؤية» تحت عنوان «أوقفوا التنمُّر المؤسسي» اهتمامًا واسعًا في الأوساط الإدارية والإعلامية، وجرى تداول المقال في منصات وشبكات التواصل الاجتماعي بشكل لافت، ولم يكن ذلك بسبب جرأة الطرح فحسب، بل لأن كاتبه سبق أن شغل موقعًا قياديًا رفيعًا، وتحدث عن ممارسات وصفها بأنها تمس بيئة العمل المؤسسي، وترتبط بالنفوذ الشخصي والعلاقات غير الرسمية أكثر من ارتباطها بالكفاءة والأنظمة.

وعندما تصدر مثل هذه الشهادات من مسؤول سابق، فإنها تستحق التوقف عندها بجدية، ليس بهدف إصدار الأحكام أو توجيه الاتهامات، وإنما من أجل فتح نقاش وطني مسؤول حول مدى التزام المؤسسات بمبادئ الحوكمة والشفافية وتكافؤ الفرص، والوقوف على أي ممارسات قد تؤثر في نزاهة القرار الإداري.

لقد لفت الدكتور صالح مسن الانتباه إلى قضية في غاية الحساسية، مفادها أن بعض المسؤولين قد يكتسبون نفوذهم من شبكة العلاقات الشخصية أكثر مما يكتسبونه من صلاحياتهم القانونية أو كفاءتهم المهنية، بل أشار- وفق ما ورد في مقاله- إلى حالات يرى أنها تعكس تأثيرًا للعلاقات والنفوذ في صناعة القرار الإداري.

وسواء كانت هذه الحالات فردية أو تُعبِّر عن ظاهرة أوسع، فإن مجرد إثارتها من شخصية تولت مسؤوليات تنفيذية رفيعة يفرض على الجميع التوقف للتأمل؛ فالدولة الحديثة تقوم على مؤسسات تحكمها الأنظمة والقوانين، وتُبنى قراراتها على معايير واضحة، بعيدًا عن أي تأثيرات شخصية أو اعتبارات غير رسمية.

كما يُثير المقال تساؤلات مشروعة حول مدى تأثير العلاقات الشخصية في مسار التعيينات والترقيات واتخاذ القرارات؛ فالأصل أن تكون الكفاءة والإنجاز هما المعيار، وأن يشعر الموظف المجتهد بأن جهده هو الطريق الطبيعي للتقدم، لا القرب من أصحاب النفوذ أو توسيع دائرة العلاقات.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مؤسسة ليس وجود أخطاء فردية، بل شعور أصحاب الكفاءة بأن العدالة ليست هي المعيار الحاكم. فعندما تتراجع الثقة في تكافؤ الفرص، تتراجع معها روح المبادرة والإبداع، ويصبح الإحباط بيئة طاردة للكفاءات، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة الأداء والخدمة العامة.

وفي المقابل، فإن المؤسسات التي تنجح في ترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية، وتطبق أنظمة واضحة للمساءلة والتقييم، تكسب احترام موظفيها وثقة المجتمع، لأنها تؤكد أن الجميع يخضع للقانون، وأن الحقوق والواجبات لا تحددها العلاقات الشخصية وإنما تحددها اللوائح والأنظمة.

ومن واقع تجربة امتدت لسنوات طويلة في كتابة المقالات ذات الطابع الاستقصائي التي تنطلق من الحرص على المصلحة العامة، فإنني أرى أن ما يطرحه مسؤول سابق بحجم وكيل وزارة لا ينبغي أن يُتعامل معه على أنه مجرد رأي عابر، وإنما يستحق أن يحظى باهتمام الجهات المختصة والأجهزة الرقابية، وأن تتم دراسة ما ورد فيه والبحث في مدى صحته وفق الإجراءات القانونية والمؤسسية المتبعة.

فإذا ثبتت صحة ما أُثير، فإن ذلك يستوجب المعالجة والتصحيح والمساءلة، وإذا لم يثبت، فإن توضيح الحقائق للرأي العام يعزز الثقة بالمؤسسات ويؤكد نزاهتها. وفي كلتا الحالتين، يكون المستفيد الأول هو الوطن.

إن البحث عن الحقيقة لا يقل أهمية عن كشفها، لأن الشفافية لا تتحقق بالاتهامات، وإنما بالتحقق، ولا تُبنى الثقة بالصمت، وإنما بالمراجعة الموضوعية والمساءلة العادلة.

ولهذا، فإن ما ورد في مقال الدكتور صالح سعيد مسن يستحق أن يُقرأ بعناية، وأن يُنظر إليه باعتباره فرصة لتعزيز ثقافة الحوكمة وترسيخ العدالة المؤسسية، بعيدًا عن الشخصنة أو المواقف المسبقة. فالدول لا تنهض بالأفراد مهما كانت مكانتهم، وإنما تنهض بمؤسسات قوية، عادلة، وشفافة، تجعل من القانون المرجعية الأولى، ومن الكفاءة أساسًا للتقدم، ومن الرقابة وسيلة دائمة للعدالة.

الأكثر قراءة

z