السيب سكر وحليب... والعامرات "كربيرة".

 

 

 

 

أنيسة الهوتية

في زيارتي الأخيرة إلى الجزائر بمدينة وهران، حيث كنَّا الوفد الرسمي الممثل للاتحاد الدولي لرفع الأثقال البارالمبي لإدارة بطولة أفريقيا المؤهلة لأولمبياد لوس أنجلوس 2028، وبينما كنَّا نتنقل مع السائق الخاص عمي "لكحل جلول" من الفندق إلى القرية الرياضية والإستاد، ثم العكس في صمت تام.. حتى جاء اليوم الذي بدأنا نتجاذب أطراف الحديث عن الطقس، ونحن نازلون من قلعة "سانتا كروز" سألني فجأة:

ـ كم درجة الحرارة عندكم في عُمان هذه الأيام؟

قلت له بكل هدوء وكأنني أقرأ أسعار الخضار:

ـ حاليًا في شهر مايو بين 44 و47 درجة مئوية تقريبًا.

التفت إليّ بسرعة وكأنني أخبرته أن الديناصورات عادت للحياة.

ـ وااااه! هذا عذاب جهنم في الدنيا!

ثم أكمل وهو يمسك رأسه:

ـ وفي الصيف؟

قلت:

ـ في الصيف تتجاوز الخمسين أحيانًا، لكن الجهات الرسمية غالبًا تُعلن أرقامًا ألطف من الواقع حتى لا تموت فجعة، ولكننا نعرف الحقيقة من عدادات السيارات وأجهزة المنازل.

ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال:

ـ يعني ما تحتاجون تغلون الماء للشاي والقهوة؟

قلت:

ـ لا، فقط نضع الإبريق تحت الشمس وننتظر قليلًا.

فضحك وقال:

ـ والبيض؟

قلت:

ـ البيض أيضًا، لكننا نخاف أن نستوي معه، لذلك نطبخه في المطبخ مثل بقية البشر.

ضحك طويلًا، ثم هزَّ رأسه وقال:

ـ أنتم لا تعيشون في طقس... أنتم تعيشون في تجربة علمية!

فسكتنا لبرهة... ثم أشار إلى البحر وقال: هذا سموه بحر السكر.

سألته: طعم مائه سكري؟

قال: لأ، مالح. بس المدينة يلقبوها بالسكر.

فأخبرته: نحن عندنا مدينة السيب، ينادوها سكر حليب.

قال: وااه، السيب سكر حليب، والنَّاس بيها سكر حليب كيماكم؟ والجو حيلو؟

قلت: لأ، أنا من العامرات أسخن منطقة في سلطنة عُمان على الإطلاق في الصيف.

وقال: في الشتاء؟

أخبرته: لا أعلم إذا عندنا شتاء! السنة كلها عندنا صيف، ثم نوعاً ما خريف.

وبعد أن وصلت إلى الوطن (واهي وطن هوشكي دار) وهذا مثل بلوشي قديم يقول: بالجمال الوطن ولو كانت حطبا ناشفا وأرضا قاحلة.

تذكرت واشتقت إلى أغلى ناسي ومنهم من يعيش في السيب، ويقولون (السيب سكر حليب).. أخبرتهم: جيبو السكر حليب حطوه في فرن العامرات يصير أحلى وألذ "كربيرة".. وطبعا، "كربيرة" هي حلويات بلوشية أصيلة لذيذة جدا تشبه الماهوو، ولكنها تفوقها بمراحل عدة في النكهة والقوام. واهم مكوناتها السكر والحليب.

وهناك تحدث المعجزات الكيميائية، عندما يأتي أهل السيب السكر والحليب إلى العامرات.

ففي درجات حرارة معتدلة يبقى السكر سكرًا والحليب حليبًا، أما في العامرات فإنهما يدخلان في مرحلة جديدة من التطور الكيميائي، فيتحولان تدريجيًا إلى "كربيرة" دون الحاجة إلى فرن ولا طاهٍ محترف.

على ما يبدو أن أهل العامرات لا يصنعون الحلويات، بل يتركون الشمس تتولى المهمة.

والله المستعان ندعوه سبحانه أن يرحم برحمته أهل العامرات من هذه الحرارة، أما "الكربيرة" فهي لذيذة دون شك.

ويهدي أصحاب المحال الذين بدأوا باستغلال حرارة الجو، وحاجة الناس للماء فرفعوا الأسعار....

ومياه الحنفيات غير مؤهلة بتاتا للشرب، انصح الجميع بالتوقف عن شربه ولو بعد فلترته وأعتقد أنه سبب رئيسي في مشاكل الحصوات المتعددة والالتهابات لأنني أرى آثاره القوية على حديد الحنفيات إذا لم يتم تغييرها كل خمس سنوات "ماكسيمام" فما بال جسم الإنسان!

ومع هذه الحرارة القاتلة الماء هو الوسيلة الوحيدة لترطيب الجسم، والكهرباء وسيلة إمداد للحياة.

أما السيارات فقد اكتسبت موهبة إضافية؛ فهي لم تعد وسيلة نقل فقط، بل أصبحت محطات أرصاد جوية متنقلة. ولهذا فإن المواطن العُماني لا ينتظر النشرة الجوية، بل ينظر إلى شاشة السيارة، فإذا ظهرت 51 درجة قال مطمئنًا:

"الحمد لله، اليوم الجو ألطف من أمس".

وفي نهاية المطاف، مهما اشتدت الحرارة، تبقى لدينا ميزة لا يملكها كثير من سكان العالم. فنحن لا نسأل في الصيف:

"هل الجو مناسب للشواء؟"

بل نسأل:

"الشواء اليوم على الفحم أم على الرصيف؟"

وإذا استمرت درجات الحرارة بالارتفاع، فقد يأتي يوم نضيف فيه بندًا جديدًا إلى المطبخ العُماني:

"يُترك الطبق تحت أشعة الشمس حتى ينضج تلقائيًا".

ونبقى نحن أهل عُمان، رغم حرارة الشمس ولهيب الصيف، أصحاب قدرة عجيبة على تحويل المعاناة إلى طرفة، والشكوى إلى ضحكة، والحرارة إلى مادة للنوادر. فبين سيبٍ هي "سكر وحليب"، وعامراتٍ تحوّل السكر والحليب إلى "كربيرة"، يبقى المواطن العُماني واقفًا في المنتصف، ممسكًا بمفتاح المكيف بيد، والشاي كرك باليد الأخرى، ويقول بثقة لا يعرف سرها إلا أبناء هذه البلاد:

"الحمد لله... الجو اليوم أرحم شوي".

الأكثر قراءة

z