في سوريا.. ضيفة في حياتي

 

 

 

 

ريتّا دار

darrita936@gmail.com

 

كنت أعتقد أنَّ أصعب ما في الغربة هو أن تصبح غريبًا في بلد جديد. ثم عدت إلى سوريا واكتشفت أنَّ الأمر يمكن أن يصبح أكثر تعقيدًا بقليل. يمكنك أيضًا أن تصبح غريبًا في حياتك القديمة؛ فمنذ اليوم الأول بدأت المؤشرات تظهر بوضوح.

لقد كانت الأدلة تتراكم ولم يكن الأمر مجرد شعور عابر. ضعت في العملة خلال أوَّل ساعة. دفعت مبالغ لا أعرف -ولن أعرف يومًا- إن كانت صحيحة أم أنها مساهمات خيرية غير مقصودة في الاقتصاد المحلي. ثم اكتشفت أن أهلي انتقلوا إلى بيت جديد، وأن الحارة التي كنت أحفظها عن ظهر قلب اختفت من حياتي بهدوء.

وفي أقل من أسبوع، سألت عن أقرب صيدلية أكثر مما سألت خلال سنوات غربتي كلها. عندها فقط بدأت أقتنع أن المشكلة ليست في الذاكرة.

المشكلة أنني عدت إلى المكان نفسه تقريبًا.. في الزمن الخطأ قليلًا.

أهلي انتقلوا إلى بيت جديد. وهو خبر رائع طبعًا، إلا إذا كنت مكاني.. ما تزال تحفظ أماكن مفاتيح الكهرباء في البيت السابق.

في أول ليلة، حاولت تشغيل الضوء في مكان لم يعد فيه ضوء أصلًا. وبعد ثلاثة أيام كاملة، كنت ما أزال أتحرك داخل البيت بحذر شخص جاء لمُعاينة شقة للإيجار.

لكن البيت لم يكن المشكلة الحقيقية. المشكلة كانت الحارة. خرجت في أول صباح وأنا أملك ثقة أهل البلد. تلك الثقة الخطيرة التي يمتلكها الأشخاص الذين لا يملكون أي معلومات فعلية، ناهيك عن كارثتي الجغرافية الشخصية وضعف إدراكي المكاني.

قلت لنفسي إن جولة قصيرة كافية لاستعادة كل شيء. وبالطبع، ضعت بعد أقل من عشر دقائق.

وما زلت حتى الآن، بعد عدة أيام من وصولي، أسأل عن الطريق إلى البيت. وهو مستوى من الفشل لا أفتخر به كثيرًا، خصوصًا أن كل شخص سألته كان يشرح الطريق بحماسة مهندس شارك في بناء المدينة بنفسه.

يمين. ثم يسار. ثم عند الشجرة. ثم أمام المحل.

أي شجرة؟!

أي محل؟!

لا أحد يملك وقتًا لهذه التفاصيل الثانوية غير المهمة.

في إحدى المرات، شرح لي صبي لم يتجاوز الثالثة عشرة الطريق إلى مكان قريب.

استمعت إليه باهتمام. هززت رأسي بثقة. ثم نسيت تعليماته وضعت بعد أول منعطف.

عصرت ذاكرتي وعدت إليه مجددًا. فنظر إليّ بنفس النظرة التي ينظر بها الأساتذة إلى الطلاب الذين أعادوا السنة للمرة الثالثة. وغمرني شك أن اللاذقية تعاقبني شخصيًا على سنوات الغياب.

وفي إحدى الأمسيات، كنت جالسة مع مجموعة من الأقارب أستمع إلى حديث عادي جدًا.

خلال عشر دقائق فقط، ذُكر اسم شخص لا أعرفه، ثم اسم ثانٍ لا أعرفه، ثم قصة كاملة عن خلاف بين أشخاص لا أعرفهم أيضًا.

جلست أهز رأسي باهتمام، وأضحك في الأماكن التي يضحك فيها الجميع، وأحاول أن أبدو مطلعة على مجريات الأحداث.

وفي مرحلة معينة، أدركت أنني فقدت خيط الحديث منذ ربع ساعة على الأقل. كان الجميع يعرف الجميع. والجميع يعرف القصة. والجميع يعرف ما حدث بعدها. إلا أنا!

لأول مرة في حياتي، شعرت أنني أتابع موسمًا متقدمًا من مسلسل لم أشاهد حلقاته السابقة.

والأغرب أنني بدأت أكتشف أن لدي أقارب جدد. ليس لأنهم وُلدوا أثناء غيابي؛ بل لأنني ببساطة لم أعد أعرف من تزوج من، ومن أنجب من، ومن انتقل إلى أين.

في بعض الزيارات كنت أتعرف إلى الأشخاص بالطريقة نفسها التي يتعرف بها السياح إلى المعالم السياحية.

يشرحون لي بهدوء: "هذه بنت فلان." "وفلان أصبح أبًا لولدين".

أما الزيارات فكانت فصلًا مستقلًا من الكوميديا.

لا أعرف كيف نجح أقاربي في تنظيم الأمر، لكن يبدو أن هناك اجتماعًا سريًا عُقد قبل وصولي.

لأن الجميع طرح الأسئلة نفسها بالترتيب نفسه تقريبًا.

كيف السفر؟ كيف العمل؟ متى العودة؟

وهو لغز غريب يستحق الدراسة.

لكن، وللإنصاف أيضًا، لم تكن كل الزيارات عبئًا اجتماعيًا متنكرًا على شكل فنجان قهوة.

بعضها يذكرك فجأة لماذا كنت تعدّ الأيام قبل السفر أصلًا.

بالأمس مثلًا، امتلأ البيت بالأقارب.

وتحوّل الحديث خلال دقائق من مواضيع مهمة وعميقة إلى مستوى أكثر واقعية بكثير.

بدأنا بقصة عائلية عادية، ثم انتقلنا إلى شخص لا أعرف كيف أصبح محور الحديث، ثم إلى شخص آخر لم يكن موجودًا أصلًا ليروي جانبه من القصة، ثم إلى ذكريات قديمة اكتشفنا أن كل واحد منا يتذكرها بطريقة مختلفة تمامًا.

وفي مرحلة معينة، لم يعد أحد يعرف كيف بدأ الحديث أصلًا. لكن الجميع كان مستمتعًا بشكل واضح.

ضحكنا على قصص سمعناها عشرات المرات. وقاطعنا بعضنا بعضًا بلا رحمة. واختلفنا على تفاصيل لا قيمة لها.

ودافع كل شخص عن روايته للأحداث كأنه شاهد عيان في قضية تاريخية. والغريب أنني استمتعت بكل دقيقة من ذلك، ربما لأن أجمل ما في هذه الجلسات ليس ما يُقال؛ بل الأشخاص الذين يقولونه.

أشخاص يستطيعون أن يثيروا أعصابك، ويقاطعوا حديثك، ويسخروا منك، ويعيدوا القصة نفسها للمرة الخامسة.. ومع ذلك، تشعر أن وجودهم وحده أحد الأشياء التي اشتقت إليها أكثر مما كنت تعتقد.

لكن أكثر ما أثار دهشتي أن المدينة كلها بدت مألوفة وغريبة في الوقت نفسه.

أعرفها. ولا أعرفها.

أحفظها. وأضيع فيها.

أتذكر أماكن لم تعد موجودة. وأمرّ بأماكن جديدة كأنها كانت هنا منذ الأزل.

وفي كل مرة أعتقد أنني استعدت إحساسي القديم بالمكان، يحدث شيء صغير يذكرني بالحقيقة.

أن السنوات لا تمر علينا وحدنا. تمر على المدن أيضًا.

وفي نهاية الأسبوع الأول، فهمت شيئًا لم أفهمه يوم الوصول. أنا لست ضيفة في البيت الجديد. ولا في الحارة الجديدة. ولا حتى في المدينة. أنا ضيفة في حياتي السابقة نفسها.

الحياة التي تركتها هنا منذ سنوات، مضت هي أيضًا في طريقها.. من دون أن تنتظرني.

والحق يقال إن كل شيء تغير. وحتى الأقارب صاروا أكبر سنًا وأكثر حكمة.

أما أنا، فما زلت أضيع في الطريق إلى البيت، وأخطئ في العملة الجديدة، وأفتح الأبواب الخطأ.

مما يعني أن هناك شيئًا واحدًا على الأقل لم يتغير في سوريا: أنا.

صحيحٌ أنني لم أعد أعرف المدينة كما كنت أظن. لكن لحسن الحظ، يبدو أن المدينة أيضًا لم تعد تعرفني. وهكذا نبدأ علاقتنا الجديدة على أساس متكافئ تمامًا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z