خالد بن سالم الغساني
تعود جذور الصراع في غزة إلى نهاية القرن التاسع عشر، مع صعود الحركة الصهيونية وتمددها في أوروبا، ومن ثم سعيها إلى إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين التاريخية؛ ففي عام 1947، أقرت الأمم المتحدة قرار التقسيم رقم 181، الذي قسمت به فلسطين إلى دولتين: واحدة يهودية وأخرى عربية، مع جعل القدس تحت إدارة دولية، مما أشعل شرارة الصراع الأولى.
اندلعت حرب 1948، المعروفة بـ"النكبة"؛ حيث غزت جيوش عربية الأراضي المخصصة للدولة اليهودية، لكن إسرائيل سيطرت على معظم الأراضي، ووقعت غزة تحت السيطرة المصرية. وفي عام 1967، خلال حرب الأيام الستة، احتلت إسرائيل قطاع غزة والضفة الغربية وسيناء والجولان، مما غيّر خريطة المنطقة جذريًا. واستمر الاحتلال لعقود، مع انتفاضات فلسطينية مثل الانتفاضة الأولى في 1987 والثانية في 2000، التي شهدت مقاومة شرسة ضد الاحتلال.
في عام 2005، انسحبت إسرائيل من غزة، وسحبت مستوطنيها وقواتها، لكنها حافظت على سيطرة جوية وبحرية. وفي 2006، فازت حماس في الانتخابات البرلمانية، ومنذ 2007 شهدت غزة عدة حروب مدمرة: في 2008-2009 (عملية الرصاص المصبوب)، حيث قُتل آلاف الفلسطينيين، وفي 2014 (عملية الجرف الصامد)، التي دمرت البنية التحتية، وفي 2021 (سيف القدس)، مع صواريخ المقاومة التي وصلت إلى عمق إسرائيل. ثم جاءت أحداث أكتوبر 2023، طوفان الأقصى، حين شنت حماس هجومًا بطوليًا ومفاجئًا.
عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، ودمار هائل في غزة. هذه الأحداث التاريخية رسمت صورة غزة كرمز للصمود، حيث تحولت من أرض محتلة إلى قلعة مقاومة، تجسد نضال شعب يرفض الاستسلام أمام الظلم المستمر.
في أحشاء غزة، تتدفق دماء البطولة في عروق الأرض، وتتصاعد أنفاس الإيمان كالنار المقدسة، وتُكتب ملحمةٌ تُزلزل أركان التاريخ وتُحطم قيود الظلم. مواجهة ملتهبة، والسماء تكاد تنشق من شدة التوتر. قوات الاحتلال الصهيوني، بآلياتها المدرعة ودباباتها المتوحشة، تعيد تموضعها كالذئاب الجائعة، تتربص بساعة الصفر، بينما ينفث إعلامها سموم الكراهية والحقد العنصري، كأنها سهامٌ مسمومة تستهدف روح الأمة. وعلى الجانب الآخر، تنتصب كتائب المقاومة الفلسطينية كالجبال الراسخة، في صفوفٍ غير مرئية، تتسلح بالدعاء، وتتوعد كل من يدنس أرض غزة بمصيرٍ أسود يغرق في لجة الدمار!
في شوارع غزة، يختلط غبار المعركة بعبق الشهادة، ويقف آلاف الاستشهاديين كالأسود الغاضبة، قلوبهم مشتعلة بنار الحرية، مُستعدين لصد العدوان بأرواحهم أو الصعود إلى الجنان دفاعًا عن كل ذرة تراب. هنا، لا مكان للجبن، ولا مجال للحياد! إما أن تقف مع الحق، مشعلًا سيف العزة، أو تغرق في مستنقع الباطل! الصمت يخنق العالم، والدبلوماسية القذرة تتحطم تحت وطأة أصوات الطائرات الحربية، وأزيز المدافع، وانفجارات العبوات التي تمزق سكون الليل كالبراكين. الضغط الصهيوني يتصاعد كعاصفة سوداء، لكن المقاومة الفلسطينية ترد ببركان من الصمود، بنار لا تنطفئ، وبإرادة تكسر جيوش الطغيان.
العالم يقف صامتًا ومذهولًا، عيونه شاخصة نحو غزة، حيث تتشكل محرقةٌ ستصنع أسطورةً لا تُمحى. غزة هي قلب الأمة النابض، وقلعةُ الصمود التي لا تسقط أبدًا. الأهالي يودّعون أبناءهم بدموعٍ تتلألأ كالنجوم، يرفعون أكفهم بالدعاء لنصرٍ يهز الأرض، ويستعدون لمعركةٍ ستقشعر لها الأبدان وترتجف أمامها القلوب. الصحافة العالمية والمحلية تقف عاجزة، مشلولة أمام هذه الملحمة العظيمة، التي ستكون شهادتها شعلةً تحرق أكاذيب الظالمين وتضيء درب الحرية.
إن بقينا أحياء، سنروي حكاية الصمود التي ستهز الضمائر، وإن ارتقينا شهداء، فليحاول الجبناء سرقة دور البطولة، لكن صوت الحق سيبقى مدويًا. غزة لم تنحنِ، ولن تنحني، هذا زلزالٌ يهدم أركان الظلم، وصرخةٌ تدوي في وجه المحتل كالرعد. غزة على موعدٍ مع نصرٍ إلهي، إنها تملك إيمانًا يحطم الجبال، وإرادةً تجعل المعجزات حقيقة.
هذه غزة، أرض العزة، وذاكرة الصراع المفتوح، وبوصلة القضية التي لا تموت. قد يطول ليلها، وقد يشتد الحصار، لكن الفجر حتمي. وستبقى غزة، مهما اشتد القصف وتكاثفت الأكاذيب، شاهدًا حيًا على أن الشعوب التي ترفض الاستسلام، تصنع تاريخها بوعيها وصبرها، وتكتب نصرها ولو من بين الركام.
