هؤلاء الذين يسبُّون

 

 

 

 

صاحب السمو السيد/ نمير بن سالم آل سعيد

 

الكلمات يكون لها تأثير حين تسهم في التوضيح وتبيان الحقائق، وعرض وجهات النظر وفتح أبواب المعالجات والحلول، لكن في أيامنا الحالية، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ظهر بعض الأفراد وهم يُعدّون على أصابع اليد الواحدة أو أكثر قليلًا، خارجين عن الإجماع الوطني، وهم لا يزالون محسوبين على هذا الوطن كمواطنين، ولم ينقطع الحبل بهم بعد.

إنهم يعيشون حالة من العزلة عن الوطن وتوجهاته، لا يرتدون ثوبه المُوحَّد، ولا تسير أقدامهم على ثراه، ولا يتنفسون هواءه، ولا ينبضون بنبضه، ولا يعيشون تفاصيله الجميلة من أعياده وأفراحه ومناسباته في ديارهم بين أهلهم وأحبابهم، غائبين عن أفضل أوقاتهم وأسعد لحظاتهم، فاقدين ومفقودين، لأنهم سلكوا طريقا غير صحيح في مسار حياتهم.

وقد لجأوا إلى السَّبِ والشتم تجاه رموز الدولة وبعض الشخصيات العامة وعدد من المواطنين، والتقليل من شأن المنجزات الوطنية المُتحقَّقة، وتضخيم السلبيات، وبث مقاطع مرئية غير لائقة، مُستغلين وجودهم خارج الوطن، متجاوزين حدود الانتماء والمسؤولية، مبتعدين عن جادة الصواب.

وما يصدر عن هؤلاء من إساءات من الخارج لا يعدو إلّا أن يكون شعورًا بالضيق والمعاناة عالقًا بهم، من جراء واقع اختاروه لأنفسهم حين كان بإمكانهم الاختيار، ومساعيهم لتحميل تبعات اختياراتهم الخاطئة على البلاد والقائمين عليها، بينما هم المسؤولون عن ما وصلوا إليه من حال، وحين قرروا الرحيل بناء على حسابات خاطئة وخيالات وهمية زينتها لهم مُخيِّلَتهم، ولم تكن لديهم الشجاعة للثبات ومواجهة الواقع كما ينبغي.

هم الآن يُكابدون مرارة العيش وضيق الحال ووحدة الغربة، بينما يمضي أبناء عُمان الحقيقيون في حياتهم الطبيعية في كنف وطنهم وأهلهم وأصدقائهم، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم.

وعبر التاريخ لم تتوقف بعض الألسُن عن الإساءة للكبار، وإذا كان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أشرف خلق الله، لم يسلم من الأذى والسخرية والاتهامات الباطلة، فماذا يعلمنا ذلك غير أن قيمة الإنسان وشخصيته ومكانته لا تهدمها محاولات المسيئين بإساءاتهم، وهم بذلك كمن ينفخ في قربة مثقوبة، لا جدوى منها ولا رجاء يرتجى.

والسب والشتم يُسيء أولًا وأخيرًا إلى قائله، ويعكس مستواه الأخلاقي، فكل إناء بما فيه ينضحُ.  

وقد قيل إنَّ رجلًا قال للأحنف بن قيس: لأسبنك سُبة تلحقك إلى قبرك، فقال الأحنف: ستلحقك أنت إلى قبرك لا إلى قبري؛ فالإساءة وصمة على صاحبها، وأسهل ما تكون لمن ارتضاها لنفسه، ومكنها من تلطيخ ضميره وتشويه ذاته.

ويستطيع أسوأ الناس أن يسب أشرف الناس وليس في ذلك شجاعة أو قوة أو بطولة، ومع ترديد السباب والشتائم يتحول هذا الخطاب الى حالة مستهلكة مكشوفة ويصبح أصحابها معروفين بسبابهم فيُشار إليهم على أنهم "هؤلاء الذين يسبون".

وهذا النهج لا يصنع قضية، ولا يكسب تعاطفًا، ولا يحقق هدفًا؛ بل يُعَدُ مستنكَرًا، مُستهجًنًا، ويُوقع حياة صاحبه في مزيد من التعثر والتعقيد.

وبالإمكان أن تغلق عليه الأبواب بلا عودة، ويبقى أسيرا في أوضاعه لا يستجيب له أحد مع مرور الأيام والسنين، ولا يحقق أي نتيجة، مكررا ما يقوله وكأنه أسطوانة مشروخة، إلى أن تخبو حماسته وتنطفئ جذوته.

والرأي العام يدرك حقيقة هذه النماذج ولا يأخذها مأخذ الجد، ولا يمنحها اهتماما إذا صادف بثها، فهي فاقدة لمصداقيتها بمحتواها المليء بالكراهية والحقد، واختلاق الإشاعات المغرضة، وبث الطاقة السلبية.

والكبار يبقون كبارًا، لا تؤثر فيهم الصغائر وقاماتهم أعز وأرفع من أن تطالها الافتراءات والمزاعم الباطلة.

والدولة وقياداتها العتيدة أكبر من تنال منها الإساءات الطائشة. أو تؤثر فيها حالات فردية انفعالية تاه بها المسار، وهي راسخةٌ في تاريخها وإنجازاتها، قائمة بمؤسساتها ومسؤولياتها ومهامها، ومنشغلة بخدمة مواطنيها، وصون الأمن والاستقرار، وتحقيق التنمية، ولا تلتفت إلى المهاترات العقيمة.

الأكثر قراءة

z