"خريف ظفار".. موسم الجمال الذي لا تشوهه الضوضاء

 

 

 

خالد بن سالم الغساني

 

هذه هي المرة الثانية التي أكتب فيها عن خريف ظفار وما يصاحبه من محاولات تشويه متكررة، بعد مقالي السابق الذي حمل عنوان «موسم الخريف.. حقيقة السوق ووهم الانطباع» بتاريخ 22 مايو 2026. وقد تناولت فيه جانبًا من الفجوة القائمة بين المؤشرات الواقعية التي تحكم حركة السياحة والاقتصاد في المحافظة، وبين بعض الانطباعات السطحية التي يجري تسويقها أحيانًا باعتبارها حقائق.
واليوم أجدني مضطرًا للعودة إلى الموضوع ذاته، ليس لأن الوقائع تغيرت، بل لأن بعض الأصوات ما زالت تُصِرّ على إعادة إنتاج الخطاب نفسه كل عام مع اقتراب الموسم، وكأنها تتجاهل حقائق المناخ والجغرافيا وتجارب عشرات السنين. فمع دخول شهر يونيو بدأت تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع وصور وتعليقات تحاول الإيحاء بأن الخريف لم يبدأ، وأن الأجواء ما زالت حارة ورطبة، وكأن في ذلك اكتشافًا جديدًا أو دليلًا على تراجع الموسم.
والحقيقة أن هذه المحاولات تقوم أساسًا على صناعة انطباع مُضَلِّل من خلال اقتطاع لحظة زمنية محددة وتقديمها للرأي العام خارج سياقها الطبيعي. فكل من يعرف ظفار، أو تابع مواسم الخريف على امتداد العقود الماضية، يدرك أن الخريف لا يبدأ فعليًا قبل الحادي والعشرين من يونيو، وأن ملامحه الكاملة لا تستوي عادة إلا خلال شهر يوليو، حين تتكاثف السحب وتزداد معدلات الرذاذ ويبدأ الاخضرار في رسم صورته المعروفة التي يقصدها الزوار من مختلف أنحاء المنطقة.
ومن هنا فإن تصوير أجواء الأيام الأولى من يونيو، ثم تقديمها باعتبارها حكمًا نهائيًا على موسم لم يبدأ بعد، لا يعدو كونه محاولة لصناعة رواية بديلة لا تصمد أمام حقائق المناخ ولا أمام ذاكرة الناس وتجاربهم المتكررة مع هذا الموسم الفريد.
ولعل اللافت أن هذه الحملات تتجاهل في المقابل مؤشرات التفاؤل التي يتداولها العارفون بطبيعة الموسم، والذين يتوقع كثير منهم أن يكون خريف هذا العام موسمًا مبشرًا وقويًا قياسًا إلى عدد من المؤشرات المناخية المعروفة لديهم. كما تتجاهل حجم الاستعدادات الكبيرة التي تشهدها المحافظة منذ أشهر لاستقبال الموسم وتقديمه بالصورة التي تليق بمكانة ظفار السياحية.
فقد اكتملت خلال الفترة الماضية مجموعة من مشاريع الطرق والبنية الأساسية التي ستسهم في تحسين حركة التنقل ورفع مستوى الخدمات المقدمة للزوار. كما أوشكت أعمال تطوير عين صلالة على الانتهاء، وأصبحت إطلالة "شعت" الزجاجية على بحر العرب جاهزة تقريبًا لاستقبال مُحبي وعاشقي المناظر البانورامية البديعة، لتشكل إضافة نوعية إلى خارطة المواقع الترفيهية والسياحية في المحافظة، إلى جانب مشاريع ومرافق أخرى جرى تطويرها أو تحديثها استعدادًا للموسم.
وفي الوقت ذاته يواصل القطاع الخاص وأبناء المحافظة والمؤسسات الأهلية استعداداتهم المعتادة لاستقبال الزوار؛ سواء من خلال تطوير المرافق السياحية والتجارية أو توسيع الخدمات والفعاليات المصاحبة للموسم، في مشهد يعكس الثقة المستمرة بأهمية الخريف ودوره الاقتصادي والاجتماعي والسياحي.
إن خريف ظفار لم يكن يومًا بحاجة إلى المبالغة في تسويقه، كما أننا ندرك أنه لا يتأثر بضجيج تلك المقاطع المخادعة أو الأحكام المتعجلة؛ فهو موسم تصنعه الطبيعة قبل أن تصنعه الحملات الإعلامية، وتؤكده التجربة قبل أن تؤكده التوقعات. ولذلك فإن أفضل رد على محاولات التشويه ليس الدخول في سجالات لا تنتهي، بل انتظار الموسم في موعده الطبيعي، وترك الواقع يتحدث بنفسه كما فعل في كل عام.
ومع اقتراب الحادي والعشرين من يونيو، ثم دخول يوليو بأيامه الضبابية الماطرة، ستعود ظفار لتقدم صورتها التي يعرفها عشاقها جيدًا؛ صورة الأرض التي تتحول إلى بساط أخضر، والجبال التي تكتسي بالضباب، والوديان التي تنبض بالحياة، في مشهد يتجدد كل عام ويؤكد أن خريف ظفار أكبر من أن تختزله صورة مُدَّعٍ أو انطباع مؤقت.
وإذا كانت بعض الأصوات مُنشغلة بتصيُّد وصناعة الانطباعات السريعة، فإن ظفار مُنشغلة بما هو أهم؛ الاستعداد لاستقبال ضيوفها، وتطوير مرافقها، وتهيئة مواقعها الطبيعية والسياحية، لتبقى كما عهدها الجميع وجهةً للجمال والسكينة والتجدد.
وستبقى ظفار، بأهلها وطبيعتها وتاريخها، تفتح ذراعيها لزوارها من مختلف محافظات سلطنة عُمان ومن دول الخليج والعالم العربي، مرحبةً بكل من يقصدها باحثًا عن الجمال والراحة ومتعة الخريف الفريدة. وكما كانت دائمًا، ستظل أرضًا للترحاب والكرم، وموطنًا لتجربة لا تشبه سواها، تنتظر ضيوفها بثقة وطمأنينة، وتقول لهم: أهلًا بكم في ظفار… وأهلًا بكم في موسم الخريف.

الأكثر قراءة

z