زمن الهيبة الأمريكية المرتبكة

خالد بن سالم الغساني 

في الأعياد تتجه القلوب إلى الدعاء، بأن تبقى أوطاننا آمنة مستقرة، وأن ينعم عالمنا العربي والإسلامي بمزيد من السلام، وأن ينال الشعب الفلسطيني حريته وكرامته على أرضه..

أما في السياسة، وما أكثر شواهدها اليوم، فليست كل التهديدات تعني حرباً، وليست كل التصريحات الغاضبة تعني أن الأمور خرجت عن السيطرة. في أحيان كثيرة تكون اللغة الحادة انعكاساً لأزمة أعمق تعيشها الدول الكبرى نفسها، وهذا ما يمكن فهمه من تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب تجاه سلطنة عمان، والتي حملت لهجة ضغط وتهديد مرتبطة بالموقف العماني من بعض الملفات الإقليمية الحساسة.

فعمان ليست دولة معادية للولايات المتحدة، ولم تكن يوماً طرفاً في صراع مباشر معها. على العكس، احتفظت السلطنة لعقود بعلاقات مستقرة مع أمريكا، وهي من أقدم الدول العربية التي ارتبطت بعلاقات صداقة معها. وفي الوقت نفسه حافظت على علاقاتها مع إيران وبقية الأطراف الإقليمية. وهذه السياسة العمانية ليست جديدة، بل هي جزء من نهج طويل يقوم على التوازن والوساطة وتجنب الدخول في سياسة المحاور الحادة.

لكن العالم تغيّر كثيراً خلال السنوات الأخيرة؛ فالولايات المتحدة التي اعتادت بعد الحرب الباردة على قيادة العالم بشكل شبه منفرد، أصبحت تواجه اليوم واقعاً مختلفاً. فالصين صعدت اقتصادياً، وروسيا عادت بقوة إلى المشهد الدولي، وحتى أوروبا، رغم تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وما تعيشه من ضعف واضح اليوم، أظهرت في كثير من الأحيان نزعة متزايدة للاستقلال عن الإرادة الأمريكية. وفي الوقت نفسه بدأت دول كثيرة تبحث عن مساحة أوسع للمناورة والاستقلال السياسي بدل الاصطفاف الكامل خلف واشنطن.

وفي هذا المناخ، أصبحت الدول التي تحاول البقاء على مسافة من الجميع تثير قلق القوى الكبرى، لأن الحياد لم يعد يُنظر إليه دائماً باعتباره موقفاً دبلوماسياً طبيعياً، وإنما أصبح يُفسَّر في أحيان كثيرة باعتباره جرحاً للهيبة.

ومن هنا يمكن فهم الانزعاج الأمريكي من الموقف العماني.

عُمان لا تريد أن تتحول إلى ساحة صراع، ولا ترغب في قطع علاقاتها بأي طرف، وهي ترى أن دورها الحقيقي يكمن في التهدئة وفتح قنوات الحوار، لا في التصعيد. لكن هذا النوع من السياسة أصبح أكثر صعوبة في منطقة تعيش توترات متصاعدة وصراعات مفتوحة.

والمثير للانتباه ليس فقط تصريحات ترامب، بل أيضاً حالة الصمت التي رافقتها عربياً وخليجياً خاصة. وبدا المشهد وكأن لغة التهديد أصبحت مقبولة ومعتادة، ولا تستحق موقفاً واضحاً.

وهذا الصمت يثير أسئلة كبيرة، خصوصاً أن الحديث هنا ليس عن دولة دخلت في صدامات أو تبنّت خطاباً عدائياً، وإنما عن دولة عُرفت طوال تاريخها السياسي الحديث بلغة السلم والوئام والوساطة. دولة لم تُعرف بإشعال الحروب، بل بمحاولة إطفائها. ولم تكن يوماً مصدر تهديد لجيرانها أو للعالم.

ولهذا كان من الطبيعي أن يتوقع كثيرون موقفاً خليجياً أكثر وضوحاً، على الأقل دفاعاً عن مبدأ احترام سيادة الدول ورفض لغة التهديد، خاصة داخل منظومة يفترض أنها تقوم على التضامن السياسي والأمني.

أما لغة ترامب نفسها، فهي تعكس أسلوباً سياسياً معروفاً يقوم على استعراض القوة والضغط العلني حتى مع الحلفاء. وهو يعتقد أن استعادة هيبة أمريكا تمر من خلال مثل هذا الخطاب الحاد والتهديد المباشر. لكن المشكلة أن الإفراط في استخدام لغة التهديد يكشف أحياناً عن قلق وأزمة القوة الكبرى أكثر مما يكشف عن ثقتها بنفسها.

فالولايات المتحدة اليوم ليست أمريكا التي خرجت منتصرة وواثقة بعد نهاية الحرب الباردة. العالم تغيّر، وموازين القوى تغيّرت، وحتى صورة أمريكا نفسها لم تعد مستقرة كما كانت.

وهي تعيش منذ سنوات أزمة واضحة على أكثر من مستوى؛ اقتصادية تتكرر مع كل اهتزاز عالمي، وسياسية تتمثل في الانقسام الداخلي غير المسبوق، ثم أزمة تراجع الثقة العالمية بقيادتها، إضافة إلى فشل حروب طويلة استنزفت صورتها وقوتها من العراق إلى أفغانستان.

ولم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض إرادتها بسهولة الهيمنة التي عرفها العالم بعد الحرب الباردة. فكثير من الدول باتت تناور بين واشنطن وبكين وموسكو، وحتى الحلفاء التقليديون أصبحوا أكثر استقلالاً في حساباتهم ومصالحهم.

ولهذا تبدو اللغة الأمريكية اليوم أكثر توتراً وعصبية. فالقوة التي تشعر بالاطمئنان لا تحتاج عادة إلى التلويح المستمر بالقوة، بينما القوى التي تخشى تراجع نفوذها تميل أكثر إلى استعراض القوة والضغط الإعلامي والسياسي.

ومن هنا، فإن تصريحات ترامب تجاه سلطنة عمان لا تعكس فقط موقفاً من دولة تنتهج الحياد، بقدر ما تكشف عن أزمة أعمق تعيشها القوة الأمريكية نفسها، وعن عالم جديد تراجعت فيه الهيمنة القديمة، ولم تعد مضمونة كما كانت.

وخلال كل ذلك، تبقى سلطنة عمان متمسكة بخيارها التقليدي، المتمثل في الهدوء، وعدم الانجرار إلى الاستفزاز، والإيمان بأن السياسة ليست صراخاً، وإنما قدرة على حماية المصالح دون خسارة الاتزان.

وربما لهذا السبب تحديداً بقيت السلطنة طوال عقود مقبولة من أطراف متناقضة، بينما تغيّرت تحالفات كثيرة وسقطت شعارات كبيرة، وبقيت لغة الحكمة العمانية أكثر قدرة على البقاء في منطقة انهكتها الصراعات والانفعالات والحروب المفتوحة.

الأكثر قراءة

z