الحرب وإعادة تعريف القوة والمعنى

 

 

 

خالد بن سالم الغساني

 

ليست كل الهُدن وقفًا للنار؛ بعضها إعادة كتابة للمعنى، وإعادة رسمٍ لحدود القوة ذاتها. وإعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، في سياق هذه الحرب العدوانية الأمريكية- الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا يبدو أنها مجرد استراحة عسكرية، بل هي لحظة مكثفة تعترف فيها الوقائع وتتضح، رغم ضجيج الخطاب، بأن الحسم السريع كان وهمًا وسيظل كذلك، وأن ميزان القوة لم ينكسر، ولن ينكسر كما أراده أصحابه.

لقد جاءت هذه الهدنة بعد تصعيد مشحون بلغة التهديد، وعقلية الهيمنة والغطرسة والتجبر، التي ظنت أن فائض القوة يكفي لفرض الإرادة. غير أن ما جرى كشف حقيقة أعمق؛ تمثلت في أن القوة مهما بلغت، حين تصطدم بإرادة صلبة، وعقيدة ثابتة، وقدرة على الاحتمال، فإنها تُستنزف، وتُجبر في النهاية على التوقف، وعلى إعادة صياغة شروطها بدل فرضها.

في قلب هذا التحول، تبرز إيران لا كطرف صمد فحسب، بل كفاعل أعاد تعريف موقعه داخل المعادلة. فالصمود هنا لا يُقاس بعدد الضربات، ولا بحجم الردود، بل بالقدرة على البقاء داخل الصراع حين كان الهدف إخراجها منه، وعلى تحويل الضغط إلى عنصر إعادة توازن. لقد فرضت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بإيمانها وتماسكها وإدارتها للمواجهة، واقعًا جديدًا، لم يكن واردًا في تقديرات قوى العدوان، جعل خصومها يعيدون حساباتهم، وينتقلون من منطق الإملاء إلى منطق التفاوض. وهذا في جوهره، تحول عميق في بنية الصراع، حتى وإن لم يُعلن في صيغة نصر تقليدية.

وفي المقابل، برز الوجه الأكثر تعقيدًا عند حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية؛ فهؤلاء لم يدخلوا الحرب بإعلان صريح، ولم يرفعوا رايات الانخراط المباشر، لكنهم وجدوا أنفسهم في قلبها بحكم الجغرافيا والتحالف. وجود القواعد الأمريكية على أراضيهم وضعهم، موضوعيًا، داخل دائرة الاستهداف، دون أن يمتلكوا قرار الحرب أو حتى روايتها الكاملة.

لقد كانوا في الحقيقة، ضحايا موقعهم؛ أراضٍ مفتوحة على الخطر، كلفة مدفوعة، وصمت سياسي مفروض.

وهنا تتكشف المفارقة الأشد قسوة، فما اعتُبر لعقود مظلة حماية، تحوّل في لحظة الاختبار إلى بوابة لاستدعاء الخطر. وهذا يفرض مراجعة جذرية لمعنى الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة: هل هو درع يردع التهديد، أم نقطة ارتكاز تجذبه؟ وهل بقيت معادلة الحماية مقابل الاستضافة صالحة، أم أن هذه الحرب كشفت حدودها، وربما انقلابها على أصحابها؟

في موازاة هذا المشهد، برزت سلطنة عمان بثباتها المعهود، وحيادها الايجابي وموقفها المبدئي، لا كطرف صاخب، بل كمساحة ممكنة للحديث حين يستحيل الكلام. عمان لا تبحث عن الأضواء، لكنها تحفظ الخيط الذي يمنع الانقطاع، وتُبقي باب التفاهم مواربًا في أكثر اللحظات احتقانًا، غير آبهةٍ بضجيج ما وراء القافلة. 

أما باكستان فقد تحركت في إطار دور وساطة محدود، مدفوعة بإدراك لحساسية اللحظة، وربما أيضًا بإيعاز أو تشجيع من أطراف أخرى معنية بمسار التصعيد، محاولة للمساهمة في خفض حدته.

في المحصلة، تبدو هذه الهدنة، اعترافًا ضمنيًا بأن الحرب غيّرت أكثر مما كان متوقعًا. لقد أعادت رسم حدود الردع، وكشفت هشاشة بعض التحالفات، وأثبتت أن الإرادة، حين تتصلب، قادرة على إعادة تعريف معنى القوة ذاته، وليس موازنتها فقط.

وإذا كان من خلاصة يمكن تثبيتها، فهي أن ما بعد هذه الحرب لن يكون كما قبلها؛ لا بالنسبة إلى إيران، ولا بالنسبة إلى المنطقة بأسرها. فقد تكسّرت صور قديمة، وتبدّلت معادلات مستقرة، وبدأ زمن جديد، أكثر تعقيدًا، وأشد حساسية؛ حيث لن يكون ممكنًا إدارة الصراع بالأدوات نفسها، ولا بالعقليات ذاتها.

وإن غدًا لناظره قريب!

الأكثر قراءة

z