د. علي موسى الكناني
قليلة هي البلدان التي تترك في ذاكرة الإنسان أثرا يتجاوز حدود المكان والزمن، وقليلة هي التجارب التي تتحوّل من مجرد محطة مهنية إلى مدرسة في الحياة والفكر والثقافة. ومن بين تلك التجارب التي أعتزُّبها، سنوات إقامتي وعملي مراسلا صحفيا في سلطنة عمان لأكثر من 8 سنوات، عشت خلالها تفاصيل الحياة اليومية لهذا البلد الهادئ، وعاصرت مرحلة مهمة من تاريخه الحديث في ظل السلطان الراحل قابوس بن سعيد-طيّب الله ثراه-، وشهدت لاحقا استمرار النهج العماني في عهد السلطان هيثم بن طارق-حفظه الله ورعاه.
عندما وصلت إلى عُمان للمرة الأولى، كنت أحمل صورة عامة عن بلد خليجي يتمتع بالاستقرار والهدوء، لكن السنوات اللاحقة كشفت لي أن ما تمتلكه السلطنة أكبر بكثير من تلك الصورة المختصرة. فقد اكتشفت مجتمعا متماسكا، ودولة تمتلك رؤية واضحة، وشعبا يحمل قدرا كبيرا من الحكمة،والتسامح والاعتزاز بهويته الوطنية.
وبحكم عملي الإعلامي، كنت أتنقل بين المحافظات والمدن والقرى، وأتابع الأحداث والأنشطة الرسمية والشعبية، وهو ما أتاح لي فرصة نادرة للاحتكاك المباشر بالمجتمع العماني بعيدا عن الصور النمطية والانطباعات السريعة. وخلال تلك السنوات أدركت أن سر نجاح عُمان لا يكمن فقط في مؤسساتها أو مواردها، بل في الإنسان العماني نفسه الذي شكل على الدوام حجر الأساس في مسيرة الدولة.
كان السلطان قابوس، طيّب الله ثراه- يمثّل حالة خاصة في الوعي الوطني العماني؛ فمنذ اللحظات الأولى لأيّ حوار مع المواطنين، كان من السهل ملاحظة حجم التقدير الذي يحظى به الرجل لدى أبناء شعبه. ولم يكن ذلك التقدير نابعا من مكانته الرسمية فحسب، بل من ارتباط اسمه بمشروع النهضة الحديثة التي غيّرت وجه البلاد خلال عقود قليلة.
لقد نجح السلطان قابوس في بناء دولة حديثة دون أن يقطع صلتها بجذورها التاريخية والحضارية. فبينما شهدت السلطنة تطورا في البنية التحتية والتعليم والصحة والاقتصاد، حافظ المجتمع العماني على هويته وثقافته وتقاليده الأصيلة. وكان هذا التوازن بين الحداثة، والأصالة من أبرز السمات التي ميّزت التجربة العمانية، منذ عام 1970، وهو عام النهضة العمانية إلى اليوم وهي ترفل بمعطيات النهضة المتجدّدة التي يقودها جلالة السلطان هيثم بن طارق-حفظه الله ورعاه.
ومن خلال متابعتي اليومية للشأن العام، كنت ألاحظ أن القيادة العمانية لم تكن تنظر إلى التنمية باعتبارها مشروعات إسمنتية فقط، بل باعتبارها عملية متكاملة تبدأ من بناء الإنسان وتأهيله وتعزيز انتمائه الوطني. ولهذا اكتسب التعليم والثقافة مكانة مركزية في مشروع الدولة الحديثة.
أما الشخصية العمانية، فهي من أكثر الشخصيات العربية التي أثارت إعجابي واحترامي؛ فالعماني بطبعه هادئ في حديثه، متزن في مواقفه، بعيد عن الانفعال، ويملك قدرة لافتة على الاستماع للآخر واحترام وجهات النظر المختلفة. وخلال سنوات إقامتي، لمست أن هذه الصفات ليست سلوكا فرديا عابرا، بل جزء من ثقافة اجتماعية متوارثة عبر الأجيال.
كما يتميّز العمانيون بقدر كبير من التسامح والانفتاح على الثقافات الأخرى. وربما يعود ذلك إلى التاريخ البحري العريق للسلطنة وعلاقاتها الممتدة مع شعوب مختلفة عبر قرون طويلة. وقد انعكس هذا الإرث الحضاري على طبيعة المجتمع الذي استطاع أن يحافظ على توازنه وتماسكه رغم التحولات المتسارعة التي شهدها العالم.
ومن الصفات التي لا يمكن تجاهلها عند الحديث عن المجتمع العماني الكرم وحسن الضيافة. فقد وجدت في مختلف المناطق التي زرتها ترحيبا صادقا واحتراما كبيرا للضيف. وكان التعامل الإنساني الراقي سمة حاضرة في المؤسسات الرسمية، كما في البيوت والأسواق والمجالس العامة.
ولعل أكثر ما لفت انتباهي خلال سنوات العمل الصحفي هو العلاقة المتوازنة بين الدولة والمجتمع. فهناك شعور عام بالانتماء والمسؤولية المشتركة تجاه الوطن، وهو ما أسهم في تعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي تتمتع به السلطنة.
وعلى الصعيد السياسي، اكتسبت عمان مكانة خاصة في المنطقة بسبب نهجها القائم على الاعتدال والحوار. وخلال فترة عملي كنت أتابع عن قرب كيف تنظر السلطنة إلى الأزمات الإقليمية من زاوية مختلفة تقوم على البحث عن الحلول وتقريب وجهات النظر بدلا من الانخراط في الاستقطابات الحادة.
لقد نجحت الدبلوماسية العمانية عبر عقود في بناء جسور الثقة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، وهو ما جعل من مسقط محطة مهمة للحوارات والوساطات في العديد من الملفات الحساسة. ولم يكن هذا الدور وليد الصدفة، بل نتيجة تراكم طويل من السياسات المتوازنة التي أرساها السلطان قابوس واستمرت في عهد السلطان هيثم بن طارق.
وحين واجهت المنطقة في عهد السلطان هيثم، تحديات معقدة شملت أزمات سياسية وأمنية واقتصادية متلاحقة، فضلا عن التوترات المتصاعدة في الخليج والشرق الأوسط، حافظت السلطنة على ثوابتها السياسية القائمة على دعم الاستقرار الإقليمي وتشجيع الحوار بين الأطراف المتنازعة.
وقد برزت أهمية هذا النهج بشكل واضح مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وكذلك خلال الأزمات التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة. ففي الوقت الذي كانت فيه بعض القوى تنجذب نحو منطق التصعيد، ظلت عمان متمسكة بخيار التهدئة وفتح قنوات التواصل. وهو ما عزّز مكانتها بوصفها طرفا يحظى بثقة الجميع تقريبا.
ومن خلال متابعتي لهذه السياسة على مدى سنوات، كنت أرى أنها انعكاس مباشر لطبيعة الشخصية العمانية نفسها؛ فكما يميل المواطن العماني إلى الاعتدال والتوازن في حياته اليومية، تميل الدولة أيضا إلى الحكمة والبحث عن الحلول الوسط في علاقاتها الخارجية.
وعلى الرغم من المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، استطاعت السلطنة أن تحافظ على استقرارها الداخلي وأن تواصل مسيرتها التنموية بثبات. وقد ساعدها في ذلك وجود مؤسسات دولة راسخة ورؤية واضحة للمستقبل، فضلا عن حالة الانسجام بين القيادة والشعب.
وبالنسبة لي شخصيا، لم تكن السنوات التي قضيتها في عُمان مجرد تجربة عمل في مجال الإعلام، بل كانت رحلة معرفية وإنسانية غنية بالدروس. تعلمت خلالها أن قوة الدول لا تقاس فقط بحجم جيوشها أو ثرواتها، بل بقدرتها على بناء الإنسان وترسيخ قيم التعايش والاستقرار واحترام الآخر.
كما تعلّمت أن الحكمة السياسية ليست شعارا يرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية تنعكس على القرارات والسياسات والعلاقات مع الآخرين. وهذا ما وجدته واضحا في التجربة العمانية التي اختارت أن تكون جسرا للتواصل في منطقة تعج بالصراعات والأزمات.
واليوم، وبعد مرور سنوات على تلك المرحلة من حياتي، ما زالت عمان حاضرة في الذاكرة بكل تفاصيلها؛ جبالها الشامخة، وبحارها الممتدة، ومدنها الهادئة، وأسواقها العريقة، وأهلها الطيبين. وما زالت صور المجالس العمانية والوجوه البشوشة والمواقف الإنسانية النبيلة ترافقني أينما ذهبت.
لقد عرفت في عمان معنى أن تتعايش الأصالة مع الحداثة، وأن يجتمع الاستقرار مع التنمية، وأن تتحول الحكمة إلى أسلوب حياة وسياسة دولة. ولهذا ستبقى سلطنة عمان بالنسبة لي أكثر من بلد أقمت فيه سنوات طويلة، بل تجربة إنسانية ومهنية تركت أثرا عميقا لا يمحوه الزمن، وذكريات جميلة عن شعب كريم وقيادة آمنت بأن السلام والحوار والتنمية هي الركائز الحقيقية لبناء الأوطان.
