◄ "أوكوايرم" فرصة لاستكشاف أعماق البحار من خلف الجدران الزجاجية
◄ "قرية كارلس".. وجهة عائلية وترفيهية في قلب الطبيعة
◄ "غازوميتر" أيقونة ثقافية عالمية ونموذج رائد لإعادة توظيف البنية الصناعية
أوبرهاوزن (ألمانيا)- مدرين المكتومية
ضمن فعاليات سوق السفر الألماني 2026، استقبلت مدينة أوبرهاوزن وفود الإعلاميين الدوليين، وذلك في إطار برنامج مهني مُتكامل يعكس المكانة المتنامية لألمانيا كوجهة سياحية عالمية تجمع بين الابتكار والاستدامة والتجربة الإنسانية المتجددة.
وشهد اليوم الأول من الجولة في مدينة أوبرهاوزن، سلسلة من الجولات الميدانية التي أُدرجت ضمن برنامج " التجربة الحية " حيث أُتيحت للمشاركين فرصة معايشة التجارب السياحية على أرض الواقع في مدينة باتت تجسد نموذجاً حياً للتحول الحضري في منطقة الرور.
بدأت الرحلة من "اوكوايرم"، ذلك المكان الكبير التي تعيش فيه تجربة الحياة البحرية المتكاملة، فخلف الجدران الزجاجية شاهدنا كيف تتعايش الكائنات البحرية في هدوء مهيب، وتدور أسماك القرش في فضاء مائي يعكس توازنا دقيقا بين القوة والجمال، وخلف هذا الزجاج الضخم يعاد تقديم عالم البحار بوصفه منظومة حياة متكاملة تستحق الفهم والحماية.
ومن هذا الصفاء الطبيعي تنتقل الرحلة إلى مشروع يحمل ملامح المستقبل وهو مشروع "قرية كارلس الترفيهية" وهي سلسلة من القرى الترفيهية ومزارع الفراولة الشهيرة في ألمانيا والتي تأسست عام 1921 وتوفر أنشطة عائلية، مطاعم، وألعابا، وتشتهر بطابع الفراولة المعروف عنها، فهذه القرى ليست مجرد مشروع ترفيهي بل رؤية ممتدة تعيد تعريف مفهوم الوجهة السياحية.
ومنذ نشأته، تطور هذا المشروع ليغدو شبكة من "قرى التجارب" المنتشرة في أنحاء ألمانيا، والتي ترتكز على تحويل المنتجات المحلية وفي مقدمتها "الفراولة" إلى تجربة حسية وثقافية واستثنائية متكاملة، وفي موقع أوبرهاوزن المرتقب تتجلى هذه الرؤية في مسعى لخلق فضاء يجمع بين الذاكرة الريفية والابتكار الحديث ليُصبح بعد ذلك هذا المكان ذاته قصة تروى لا مجرد موقع يُزار.
انتقلنا بعد ذلك إلى المجمع التجاري لأوبرهاوزن الكبير "ويستفيلد"، والذي يقف شاهدا على إعادة تشكيل المدينة، فهذا الصرح الذي يعد من أكبر مراكز التسوق والترفيه في أوروبا لا يقتصر دوره على كونه وجهة استهلاكية فقط، بل يتحول إلى فضاء اجتماعي نابض بالحياة تتقاطع فيه الثقافات وتتجدد فيه أنماط العيش المعاصر، ويستضيف بداخله الكثير من الفعاليات والأنشطة، وهو بذلك لا يقدم تجربة تسوق فقط، بل يقدم ثقافة متكاملة، تجمع في داخله العلامات العالمية والمختلفة، ويضم أيضا الكثير من المطابخ ما يعكس روح الانفتاح على الآخر.
اتجه الفوج بعد ذلك إلى "ساند بوكس فير" حيث تُعاد فيه صياغة مفهوم الترفيه من خلال تجربة رقمية غامرة بالمتعة والتشويق، إذ ينتقل الزائر من موقع المتلقي إلى قلب الحدث عبر تقنيات الواقع الافتراضي والتي تفتح عوالم جديدة قائمة على التفاعل والحركة لتقدم نموذجا معاصرا للسياحة القائمة على التجربة لا المشاهدة فقط.
وكانت الفترة المسائية مليئة بالتشويق والفرح، حيث اختتمنا اليوم بعشاء مميز مع فعالية "سوق السفر الألماني لتكونوا معا" وذلك في موقع "توب جولف" الشهير والكبير، حيث اجتمع المشاركون في أجواء غير رسمية تعزز التواصل وتفتح آفاق الحوار بين ممثلي القطاع السياحي والإعلامي في مشهد يعكس روح التعاون التي يقوم عليها هذا الحدث الدولي، حيث امتزجت الليلة باللعب وبالروح الرياضية الجميلة.
ولم تكن مدينة أوبرهاوزن مجرد محطة ضمن برنامج سياحي، بل هي تجربة متكاملة ثرية تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان، وهي مدينة تنطلق من ماضيها الصناعي لتكتب حاضرها بلغة الابتكار والتقنية والتقدم وتفتح أبوابها لمستقبل أكثر اتساع وشمولية وانفتاح.
حضور السياحة الألمانية
وتواصلت في مدينة أوبرهاوزن فعاليات GTسوق السفر الألماني 2026 لليوم الثاني على التوالي وسط مشاركة واسعة من الإعلاميين الدوليين وممثلي القطاع السياحي في برنامج مهني مكثف يهدف إلى تعزيز التعاون الدولي والترويج للمقومات السياحية في ألمانيا، حيث استهلت الفعاليات بعقد المؤتمر الصحفي الدولي بمشاركة ممثلين عن الجهات السياحية الذين استعرضوا أحدث التوجهات في قطاع السياحة الألمانية، إلى جانب خطط التطوير المستقبلية وفرص التعاون مع الأسواق الدولية.
وضمن البرنامج، توجه المشاركون إلى "غازوميتر أوبرهاوزن"، وهو عبارة عن خزان غاز سابق في مدينة أوبرهاوزن بألمانيا تم تحويله إلى مركز للمعارض والفعاليات الثقافية، حيث يعد أحد أبرز المعالم الثقافية والصناعية في منطقة الرور، والذي يمثل نموذجا لإعادة توظيف البنية الصناعية ضمن مشهد ثقافي معاصر، واختتم اليوم الثاني بفعالية " GTM Networking Event " التي أقيمت في "مسرح ميترونوم" حيث اجتمع المشاركون في أجواء مهنية غير رسمية أتاحت تبادل الخبرات وبناء علاقات مهنية بين ممثلي القطاع السياحي والإعلامي من مختلف دول العالم.
عبور عبر الزمن
وضمن الجولات الصحفية، شاركت في جولة لاكتشاف منطقة الرور، حيث لا تزال آثار الثورة الصناعية تنبض بالحياة في كل شبر منها، لا كأطلال صامتة وثابتة، بل كمساحات معاد اكتشافها وتقديمها بطريقة حضارية مميزة، والتي تضم مقاهٍ ومكتبات ومحلات تسوق تذكارية تروي قصة الإنسان والعمل والتحول في الوقت ذاته، وفي هذه الجولة بدا المشهد وكأن الحديد لم يبرد بعد محتفظا بلونه النحاسي اللامع الجميل، ليجعلك تتفكر في تلك القدرة البشرية التي لم تتوقف عن الاكتشاف والبحث، وأن المصانع التي شكلت ملامح أوروبا الحديثة لا تزال حاضرة ولكن بروح جديدة وبثوب مختلف تماما عما كانت عليه في السابق، فالهياكل الصناعية الضخمة التي كانت يوما مراكز للإنتاج تحولت اليوم إلى معالم ثقافية وسياحية تستقبل الزوار لا لتعرض الماضي فقط، بل لتعيد تفسيره للزائر، فهنا لا يروى التاريخ في كتب وأوراق، وإنما في الفراغات الواسعة وفي الجدران التي احتفظت بعبق الزمن القديم، وفي التفاصيل التي تهمس بقصص العمال الذين لم يتوقفوا يوما أمام التحديات بل كان لديهم إيمان تام بأنهم قادرون على تحقيق ما لا يتوقع، ولا تزال الجدران العتيقة تتحدث عن الجهد، والبدايات الصعبة التي جاهدوا لتسهيلها، إنها ذاكرة مدينة بل ذاكرة منطقة بأكملها تعاد صياغتها بلغة معاصرة تجمع بين الحفاظ على الإرث والانفتاح على المستقبل.
ولم تكن الجولة مجرد استعراض بصري، بل تجربة حسية تدعو الزائر للتأمل في مفهوم التحول، وكيف يمكن لمناطق قامت على الصناعة الثقيلة أن تعيد تعريف نفسها كمراكز للإبداع والثقافة والسياحة، ففي الرور يتحول الإرث الصناعي من عبء تاريخي إلى مصدر إلهام وتقدم ونظرة ثاقبة، ومن ماضي جامد إلى حركة مستمرة، تراث متحرك بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
ومع فعاليات أخرى ضمن الجولات الميدانية، اكتشفنا أن ألمانيا لا تكتفي بحفظ تاريخها بل تعيد توظيفه بذكاء لتقدم نموذجا فريدا في إدارة التحول الحضري حيث تتكامل الهوية مع الابتكار، ويصبح المكان تجربة حية لا تختزل في صورة أو زيارة عابرة.








