القوة الأمريكية التي تتآكل

 

 

 

د. مجدي العفيفي

(1)

في لحظات التوتر الدولي، لا تكون الأزمة فيما يحدث فقط، بل في اللغة التي تُستخدم لوصف ما يحدث؛ فاللغة السياسية، خصوصًا حين تصدر من دوائر القوة العالمية- وهي قوة صارت تتسم بالوهم والخرافة- ليست تعليقًا على الواقع، بل أداة لإعادة تشكيله، وتوجيهه، أحيانًا دفعه نحو حافة غير محسوبة.

التقارير والتغطيات الإعلامية التي تناولت تصريحات منسوبة إلى دوائر أمريكية رفيعة حول مضيق هرمز ودور عُمان في إدارة أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، فتحت بابًا أوسع من تفاصيل الاقتباس نفسه. السؤال الحقيقي ليس: ماذا قيل حرفيًا؟ بل: لماذا يبدو الخطاب الأمريكي تجاه هذه المنطقة وكأنَّه يدُس أنفه دائمًا من حافة التصعيد اللغوي؟

مضيق هرمز ليس مساحة جغرافية عادية في خرائط السياسة الدولية. إنه أحد أهم شرايين الطاقة في العالم؛ حيث تمر نسبة مؤثرة من إمدادات النفط والغاز. لكن خطورته لا تأتي من كونه ممرًا مائيًا فقط، بل من كونه نقطة التقاء دائم بين حسابات القوى- التي يقال إنها كبرى- الغاشمة والهشاشة الإقليمية.

(2)

في مثل هذه النقاط، تصبح الكلمات ذات وزن يعادل التحركات العسكرية. أي إشارة إلى "السيطرة"، أو "الإغلاق"، أو "الردع الحاد" أو "الردح" الذي يمارسه سكان البيت الأسود الأمريكي، لا تُقرأ محليًا فقط، بل تُقرأ عالميًا على أنها إعادة ضبط محتملة لقواعد اللعبة.

وهنا تبدأ المشكلة: عندما يتحول الممر التجاري إلى ملف في خطاب الضغط السياسي، يصبح الاستقرار نفسه عرضة للاهتزاز.

(3)

 في قلب هذا المشهد تقف سلطنة عُمان، ليس بوصفها طرفًا في الصراع، بل بوصفها أحد آخر الجسور الدبلوماسية الفعّالة في منطقة مثقلة بالتوترات.

دورها في الوساطة، وفتح قنوات غير صدامية مع أطراف متناقضة، جعلها عنصرًا أساسيًا في هندسة التوازن الإقليمي- حتى عندما يشتد التصعيد بين القوى الكبرى.

عُمان فعلًا ليست "هدف صدام" عُمان تاريخيًا: تلعب دور الوسيط بين إيران والغرب.. حافظت على سياسة خارجية متوازنة.. استضافت قنوات تفاوض سرية (مثل بدايات الاتفاق النووي الإيراني–الأمريكي) ولهذا بالذات، هي دولة "تخفيف توتر" لا "تصعيد".

 ففكرة استهدافها أو تهديدها مباشرة يفترض أنها تتعارض مع السياسة الأمريكية الحقيقية نفسها في الخليج، حتى في أكثر فتراتها توترًا، رغم ما يقترفه «مستر ترامب» من تصريحات مثيرة للدهشة السلبية والسخرية من لغة رئيس دولة.. بينه وبين الدبلوماسية سنوات ضوئية.. تصريح فج.. غير مسؤول.. أقرب الي الهذيان والثرثرة.. والانحطاط السياسي.

(4)

ذلكم ما تكشفه الخطابات السياسية الأمريكانية العنيفة تجاه المنطقة هو أن "دور الوسيط" نفسه لم يعد مفهومًا محصّنًا في الخطاب الدولي خاصة الامريكي. بل أصبح، في بعض القراءات، جزءًا من معادلة الضغط بدل أن يكون أداة لخفضه.

المعضلة الأعمق لا تتعلق بتصريح فردي، بل بنمط متكرر في الخطاب السياسي الأمريكي تجاه الشرق الأوسط:

لغة تميل إلى تضخيم أدوات القوة، وتقديم الحلول في أطر الضغط القصوى، أكثر من تقديمها كعملية تفاوض طويلة ومعقدة.

هذا النمط لا يُنتج بالضرورة قرارًا عسكريًا، لكنه يُنتج شيئًا أخطر على المدى المتوسط: بيئة دولية مشبعة بالتوتر، حيث يصبح كل تصريح قابلًا للتحول إلى أزمة، وكل أزمة قابلة للانفجار الإعلامي والسياسي في آن واحد.

في هذا السياق، تفقد اللغة وظيفتها الأصلية كأداة تهدئة أو توضيح، وتتحول إلى جزء من بنية الأزمة نفسها.

(5)

المشكلة ليست في القوة، بل في طريقة تعريفها..  القوة في السياسة الدولية ليست موضع جدل بحد ذاتها. كل الدول الكبرى تمتلك أدوات ضغط، وتستخدمها بدرجات مختلفة. لكن الفارق الجوهري يكمن في كيفية تعريف هذه القوة: هل تُستخدم لإعادة التوازن؟ أم لإعادة فرض شروط مشددة باستمرار على مناطق حساسة؟ لتحقيق مصالح متدنية مثلما يفعل ترامب وأعوانه؟

في الحالة الأولى، تكون القوة جزءًا من الاستقرار.

في الثانية، تصبح القوة نفسها مصدر عدم استقرار دائم.

(6)

الخطر الحقيقي في التعامل مع مناطق مثل مضيق هرمز ليس في حدث مفاجئ، بل في التآكل البطيء للثقة في مصداقية سياسة امريكا ان كان لها مصداقية بالمعنى المتحضر: فكل تصريح حاد يضيف طبقة جديدة من الشك.

كل تهديد ضمني يعيد تشكيل الحسابات الإقليمية. وكل غياب للغة دبلوماسية واضحة يترك فراغًا تملؤه السيناريوهات الأسوأ.

(7)

وهكذا.. تتحول الجغرافيا من مساحة تعاون إلى مساحة اختبار دائم للنوايا..

وكم من الجرائم ترتكب باسم النوايا واسألوا «المستر ترامب»!!

الأكثر قراءة

z