إيران.. الصمود الذي غيّر المعادلة

 

 

خالد بن سالم الغساني

الأسابيع الأربعة الماضية من الحرب العدوانية على إيران تُشكِّل لحظةً فاصلة أعادت تعريف معنى القوة والصمود في المنطقة، فمنذ الرد الأول فرضت إيران معادلةً جديدة باستهداف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة وعمق الأراضي المحتلة والتحكم بمضيق هرمز بوصفه شريان الطاقة العالمي، ولم يكن ذلك ردًّا تقليديًا، بل انتقالًا مباشرًا إلى المبادرة، الأمر الذي أربك واشنطن وتل أبيب معًا ولخبط كل حساباتهما.

ورغم الخسائر البشرية الكبيرة، نجحت طهران في تحويل الكلفة إلى عنصر قوة، معتمدةً على الاستمرارية لا الضربة الواحدة.. موجات متتابعة من الضغط العسكري والنفسي جعلت المواجهة تبدو كاستراتيجية متكاملة، لا كأحداث متفرقة، وهنا تحديدًا تغيَّرت المعادلة، حيث لم تعد الضربات رسائل، بل قدرة فعلية على إيلام الخصم في عمقه.

ومع اتساع المواجهة، اكتسب مضيق هرمز بُعدًا مركزيًا، إذ بات أي اضطراب فيه كفيلًا بنقل الصراع إلى الاقتصاد العالمي، ورفع كلفة التصعيد على الجميع، وفي الوقت نفسه لم تعد القواعد العسكرية في الإقليم خارج دائرة الخطر، ما أسقط فكرة "المسافة الآمنة" التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة لعقود.

أما الداخل الإسرائيلي، فقد واجه واقعًا غير مسبوق؛ حيث لم تعد منظومات الدفاع، وعلى رأسها القبة الحديدية، قادرةً على تقديم صورة الحماية المطلقة، فكثافة الضربات واستمراريتها كشفت حدود هذه المنظومات، وفرضت إيقاعًا مختلفًا على الحياة اليومية، ملاجئ ممتلئة، وإنذارات متواصلة، وتعطُّل واضح في مظاهر الحياة، وللمرة الأولى تنتقل الحرب إلى الداخل بهذا الشكل المستمر، لا كحادثٍ مؤقت، بل كحالةٍ يومية ضاغطة.

وفي هذا السياق، يصبح تمديد المُهَل الزمنية مفهومًا؛ فالحسم السريع لم يعد ممكنًا دون أثمانٍ باهظة، وما جرى فرض إعادة حسابات شاملة وفتح الباب أمام خياراتٍ تتراوح بين الاحتواء والتفاوض بدلًا من التصعيد المفتوح.

وما تحقق لا يُقاس فقط بالنتائج العسكرية، بل بما تبدَّل في ميزان الردع، إذ أثبتت إيران أن الصمود حتى تحت الضغط يمكن أن يتحول إلى قوة، وأن القدرة على الاستمرار قد تكون العامل الحاسم في معركة طويلة، وفي المقابل وجد خصومها أنفسهم أمام واقعٍ مختلف، حيث لم تعد أدوات التفوق التقليدية كافية لحسم المواجهة.

والمشهد اليوم مفتوح على احتمالاتٍ متعددة، لكن المؤكد أن ما بعد هذه الأسابيع ليس كما قبلها، حيث دخل الصراع مرحلةً جديدة يُقاس فيها النجاح بقدرة كل طرف على تحمُّل الكلفة ومنع الهزيمة، لا بتحقيق انتصار كامل، وفي هذه المعادلة يبرز صمود إيران بوصفه العامل الأكثر تأثيرًا في رسم ما سيأتي.

الأكثر قراءة

z