◄ حرب اليوم في المنطقة ليست فقط صراعًا على الجغرافيا، بل صراع على الرواية
خالد بن سالم الغساني
هذه الحرب التي نشهدها اليوم في منطقتنا، والتي فرضها علينا نفس المنطق الاستعماري القديم الذي يُعيد إنتاج نفسه باستمرار، حرب ليست كسابقاتها، لأنها ببساطة، ليست مواجهة عسكرية محدودة يمكن احتواؤها ببيانٍ سياسي يشجب أو يُندد، أو باتفاقٍ مُؤقت، ولا يمكن عدّها اشتباكا محدودا وسريعا، ينتهي بانتهاء الخلاف.
إنها حرب تتجاوز الميدان إلى المعنى، وتتسلل من ساحة القتال إلى الوعي، وتعيد تعريف الأشياء بأسمائها الصريحة؛ عدوانٌ مكتمل الأركان، وإبادةٌ تُمارَس بدمٍ بارد، في مُواجهة أنفةٍ ترفض الانكسار، وصمودٍ يتشبث بالأرض، ومُقاومةٍ ترى في الدفاع عن الكرامة شرطاً للحياة.
وهذه الحرب اليوم في منطقتنا لم تكشف فقط وجه العدوان، بل كشفتنا وتكشفنا جميعًا؛ كشفت مواقفنا، وحدود ضمائرنا، وأوزان كلماتنا حين يوضع الحق في الميزان.
لسنا أمام نزاعٍ تقليدي بين قوتين متكافئتين، بل أمام عدوانٍ يستند إلى إرثٍ طويل من الهيمنة والاستكبار، يتبدل شكله ولا يتبدل جوهره. المنطق الاستعماري ذاته يعود في صورةٍ جديدة، بأدواتٍ أكثر تطورًا، بخطابٍ أكثر تنميقًا، لكنه يحمل الروح نفسها: روح السيطرة، وفرض الإرادة، وإخضاع المكان والإنسان لمعادلة القوة. لتصبح الإبادة سياسةً وخيارا، ورسالةً مفادها أن من يملك القوة يملك الحق في المحو.
غير أنَّ ما يقف في الجهة المقابلة، هو أنفةٌ ضاربةٌ في عمق التاريخ، ووعيٌ بأنَّ الأرض ليست سلعةً للتبادل، وأن الكرامة ليست تفصيلًا يمكن تأجيله، والصمود ليس صورةً إعلامية تُلتقط تحت الركام، إنه فعلٌ يوميّ، وقرارٌ متخذٌ ومتجدد بالبقاء، إصرارٌ على أن الحياة لا تُختزل في شروط المعتدي، والمقاومة ليست كما يسمونها، شهوة صراع، وتجنٍ على شعب، بقدر ما هي رفضٌ عالي الصوت وصريح للعدوان، وإعلانٌ وتنفيذ بأنَّ الإبادة لن تمرّ بلا ثمنٍ أخلاقي وتاريخي، وعي فوق كل ذلك، تضحية تسمو فوق كل التضحيات، فالشهداء أكرم من في الدنيا، وأولهم إلى الجنة.
في هذه الحرب، تنكشف المواقف؛ فالإدانة ضرورة أخلاقية. والرفض ليس بيانًا، إنه موقف، يُحدّد موقع صاحبه من التاريخ. في المقابل، يظهر الخنوع بصورة واحدة فقط، وبوصفه استسلامًا مبكرًا لفكرة أن العدوان قدرٌ محتوم، ويطفو الخذلان حين تُقدَّم الحسابات الضيقة على حساب الحق، ويتجلى الارتزاق في صورته الأكثر فجاجة حين يتحول الألم إلى مادةٍ للمساومة، ويُباع الموقف لمن يدفع أكثر.
حرب اليوم، ليست فقط صراعًا على الجغرافيا، بل صراع على الرواية. العدوان يسعى ويحشد إلى قلب الحقائق، إلى تقديم نفسه كحارسٍ للإنسان وللنظام، وإلى تصوير الضحية كخطرٍ يجب إزالته. والإبادة تُغلَّف بمصطلحاتٍ قانونية، وتُبرَّر بأرقامٍ، كأن الكلمات قادرة على تطهير الفعل من قسوته. لكن اللغة، مهما زُيّنت، تعجز عن إخفاء الحقيقة حين تتراكم الشواهد، ويعلو صوت الضحايا فوق ضجيج التبرير.
ومع ذلك- أيها الكرام- فإن صيرورة التاريخ لا تتوقف عند لحظة البطش. كل عدوانٍ يظن أنه الحسم الأخير، يتحول إلى شاهدٍ عليه. وكل إبادةٍ تُرتكب باعتبارها إنهاءً للحكاية، تصبح فصلًا يُدين صاحبه. وفي المقابل، كل صمودٍ يُنظر إليه كعنادٍ غير مجدٍ، يغدو مع الوقت رمزًا لثبات الهوية، وكل مقاومةٍ تُحاصَر اليوم تُستعاد غدًا بوصفها دفاعًا مشروعًا عن الأرض والكرامة.
هذه الحرب- أيها الناس- لا يمكن اعتبارها حدثًا طارئًا في سجل المنطقة، بل محطةٌ كثيفة في مسارٍ طويل، تتقاطع فيه إرادة العدوان مع إرادة البقاء. وبين الإدانة والرفض من جهة، والخنوع والخذلان والارتزاق من جهة أخرى، يتحدد موقع كل فردٍ وكل جماعة.
وفي نهاية المطاف، قد تتغير موازين القوة، وقد تتبدل الخرائط، لكن ما يُكتب اليوم من أنفةٍ وصمودٍ ومقاومة، في مواجهة عدوانٍ وإبادة، سيبقى جزءًا من ذاكرة التاريخ، شاهدًا على زمنٍ حاول فيه البعض فرض المحو، وأصرّ فيه آخرون على البقاء، ألا وهم الباقون.
