جان يعقوب جبور
مواجهة العدوان الصهيوني تعززت بـ"العصف المأكول" من قبل المقاومة اللبنانية. هذه التسمية لم تكن من لا شيء، لكن لها دلالاتها وطابعها العسكري والديني وأثرها على عزم المقاومين وعلى عصف العدو. في هذه المقالة سردٌ لمفهوم العصف المأكول عسكريًا ودينيًا وتأثيره على الكيان الصهيوني بصد توسعه وإنهاكه وحتى هزيمته على الأراضي اللبنانية.
يُستعمل تعبير "العصف المأكول" في الوجدان العربي والإسلامي للدلالة على الهزيمة الساحقة التي تُفقد المعتدي هيبته وقوته، وهو تعبير مستوحى من سورة الفيل في القرآن الكريم؛ حيث شُبّه جيش أبرهة بعد هلاكه بـ"عصف مأكول"، أي كورق الزرع اليابس الذي أكلته الدواب ثم لفظته بلا قيمة أو أثر. ومنذ عقود، دخل هذا التعبير إلى الخطاب السياسي والعسكري في المنطقة ليُعبِّر عن انهيار مشاريع الاحتلال والغزو رغم التفوق العسكري والتكنولوجي الهائل. وفي جنوب لبنان تحديدًا، اكتسب المصطلح بعدًا رمزيًا مرتبطًا بالصراع مع الكيان الصهيوني؛ إذ بات يُستخدم للدلالة على تحوّل القوة العسكرية الضخمة إلى عبء سياسي وأمني عندما تواجه مقاومة طويلة النفس تعرف طبيعة الأرض والناس وتستند إلى عقيدة قتالية تتجاوز الحسابات التقليدية.
شهد الجنوب اللبناني منذ اجتياح عام 1978 ثم الغزو الإسرائيلي الكبير عام 1982، سلسلةَ تحولاتٍ جعلته ساحة استنزاف معقدة للجيش الإسرائيلي؛ فبرغم التفوق الجوي والدعم الأمريكي والغربي الكبير، اصطدمت إسرائيل بواقع اجتماعي وجغرافي وأمني مختلف. القرى الجنوبية لم تكن مجرد أرض مفتوحة للحرب؛ بل بيئة بشرية متماسكة تحمل ذاكرة الاحتلال والمجازر والتهجير. ومن هنا بدأ مفهوم “العصف المأكول” يظهر تدريجيًا في الخطاب المُقاوِم، ليس بوصفه شعارًا دينيًا فقط؛ بل كتوصيف لحرب تتحول فيها القوة المفرطة إلى عنصر إنهاك للجيش المعتدي.
في تسعينيات القرن الماضي، بدأت عمليات المقاومة في الجنوب تتطور من كمائن محدودة إلى عمليات نوعية استهدفت مواقع الاحتلال الإسرائيلي والشريط الحدودي الذي كانت تديره ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي". ومع عملية “عناقيد الغضب” في نيسان/ أبريل 1996، حاولت إسرائيل فرض معادلة ردع جديدة عبر قصف واسع طال المدنيين والبنية التحتية، إلا أن مجزرة قانا في 18 نيسان 1996 أدت إلى نتائج معاكسة دوليًا وإعلاميًا؛ إذ تحوّل الضغط نحو إسرائيل بدل أن يتحول ضد المقاومة. ومنذ ذلك التاريخ، بدأ كثير من المحللين الإسرائيليين يتحدثون عن مأزق القوة، أي عن عجز الآلة العسكرية عن تحقيق أهداف سياسية واضحة رغم التفوق العسكري. بلغ هذا المسار ذروته في أيار/ مايو 2000 عندما انسحب الجيش الإسرائيلي من معظم الجنوب اللبناني بصورة مفاجئة بعد احتلال دام نحو اثنين وعشرين عامًا. في الداخل الإسرائيلي، وُصف الانسحاب آنذاك بأنه أحد أكثر الأحداث تأثيرًا على صورة الجيش الإسرائيلي منذ حرب 1973. أما في لبنان والعالم العربي، فقد اعتُبر نموذجًا لتحوّل الاحتلال إلى "عصف مأكول" بعد سنوات من الاستنزاف والخسائر البشرية والنفسية. وسقطت آنذاك رهانات كثيرة كانت تراهن على استحالة انسحاب إسرائيل دون اتفاق سياسي شامل.
لكن التحديات لم تتوقف بعد عام 2000؛ إذ دخل الجنوب مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا؛ فحرب تموز/ يوليو 2006 شكّلت اختبارًا قاسيًا للطرفين. إسرائيل أعلنت في 12 تموز/ يوليو 2006 بدء عملية عسكرية واسعة بعد أسر جنديين إسرائيليين، وكانت التقديرات الإسرائيلية تتحدث عن حرب قصيرة تعيد رسم قواعد الاشتباك في أيام قليلة. إلّا أن الحرب استمرت 33 يومًا، وتعرّضت خلالها مناطق واسعة من لبنان، خصوصًا الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع، لدمار هائل. في المقابل، واجه الجيش الإسرائيلي مقاومة شرسة في بنت جبيل ومارون الراس وعيتا الشعب ووادي الحجير؛ حيث تحولت بعض المعارك إلى مادة للنقاش داخل المؤسسات العسكرية الإسرائيلية نفسها حول ضعف الأداء البري وعدم جهوزية الجنود لحرب العصابات.
أحد أبرز التحديات التي يطرحها مفهوم "العصف المأكول" في القتال جنوب لبنان هو تحدي تحويل التفوق العسكري إلى إنجاز سياسي؛ فالجيش الإسرائيلي يمتلك طائرات حديثة وتقنيات استخباراتية متقدمة ومنظومات دفاعية متطورة، لكنه يواجه بيئة قتالية لا تعتمد على الحرب الكلاسيكية. المقاومون يعتمدون على الأنفاق والتحرك اللامركزي والصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى والمعرفة الدقيقة بالجغرافيا الجنوبية، ما يجعل أي توغل بري مكلفًا. وقد اعترف مسؤولون إسرائيليون بعد حرب 2006 بأن الحرب كشفت حدود القوة العسكرية في مواجهة تنظيمات غير تقليدية. إلى جانب البعد العسكري، هناك تحدٍ إعلامي ونفسي لا يقل أهمية. فالحروب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات؛ بل بصورة الجندي والخسائر المدنية والرأي العام الداخلي والخارجي. في كل مواجهة جنوب لبنان، يظهر تأثير الإعلام بشكل كبير، خصوصًا مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والبث المباشر. صور الدمار والضحايا المدنيين تؤثر على صورة إسرائيل الدولية، بينما تحاول إسرائيل في المقابل تقديم نفسها باعتبارها تواجه تهديدًا أمنيًا. هذا الصراع على الرواية أصبح جزءًا أساسيًا من أي مواجهة.
كما أن الجنوب اللبناني يعيش تحديًا اقتصاديًا وإنسانيًا دائمًا نتيجة تكرار الحروب؛ فالكثير من القرى الحدودية تعرضت للتدمير أو النزوح المتكرر، ما خلق أعباءً ضخمةً على السكان والبنية التحتية والدولة اللبنانية. وبعد التصعيد الذي بدأ في تشرين الأول/ أكتوبر 2023 على خلفية حرب غزة، عاد الجنوب ليشهد مواجهات يومية وقصفًا متبادلًا وعمليات اغتيال واستهدافات واسعة. عشرات القرى تعرضت لأضرار كبيرة، ونزح آلاف المدنيين، فيما تصاعدت المخاوف من حرب شاملة قد تمتد إلى المنطقة كلها. وفي المقابل، تواجه إسرائيل تحديات داخلية متزايدة مرتبطة بالخسائر الاقتصادية وتعطل المستوطنات الشمالية وحالة القلق الأمني المستمرة. تقارير إسرائيلية عديدة تحدثت منذ أواخر 2023 وحتى 2025 عن نزوح سكان من شمال فلسطين المحتلة بسبب الخوف من توسع المواجهة، ما أعاد النقاش داخل إسرائيل حول جدوى الحروب الطويلة على الجبهة الشمالية.
إنَّ مفهوم "العصف المأكول" في سياق الجنوب اللبناني لا يقتصر على البُعد العسكري أو الديني؛ بل يعكس معادلة أوسع تتعلق بإرادة الصمود وطبيعة الحروب غير التقليدية وحدود القوة في فرض الوقائع السياسية. فكل مواجهة في الجنوب تكشف أن الحسم العسكري الكامل يبقى شديد الصعوبة مهما بلغ حجم التفوق التقني، وأن المنطقة لا تزال تعيش ضمن توازنات معقدة تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية والدولية. وبين الدمار والمعاناة والخسائر البشرية، يبقى الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة على احتمالات متعددة؛ حيث تتصارع القوة والنفوذ والذاكرة والهوية في واحدة من أكثر جبهات الشرق الأوسط حساسية وتعقيدًا. وحيث إن المفاوضات المباشرة مع الكيان الصهيوني- بواسطة حليفه- تظهر مدى ضعف وتبعية الدولة اللبنانية للخارج، لم ولن تثمر سلامًا وأمنًا وتبقى المعادلة "ما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"، وهنا يأتي دور المقاومين الأبطال لصد العدوان الصهيوني الغاشم على بلدنا الحبيب لبنان.
