الأرض والشعب والمقاومة جنوبًا.. معادلة جديدة في وجه العدوان الصهيوني

 

 

 

جان يعقوب جبور

منذ عقود طويلة، يشكّل جنوب لبنان صورةً حيّة لشعبٍ قرّر أن يبقى متجذّرًا في أرضه مهما اشتدّت الحروب والاعتداءات والضغوط السياسية والاقتصادية؛ فالجنوب اللبناني لم يكن مجرّد منطقة جغرافية تتعرّض لاعتداءات متكرّرة من الكيان الصهيوني، بل أصبح رمزًا للصمود الشعبي والتمسّك بالكرامة الوطنية والهوية الثقافية والاجتماعية، حتى باتت قرى الجنوب وأهله عنوانًا لشعبٍ يرفض الاستسلام مهما كانت التضحيات تحت عنوان "جنوب صامد لبنان خالد".

منذ احتلال فلسطين عام 1948، بدأت الاعتداءات الإسرائيلية على القرى الجنوبية اللبنانية تتكرّر تحت ذرائع أمنية وسياسية مختلفة. ومع مرور السنوات، تحوّل الجنوب إلى ساحة مواجهة دائمة مع الكيان الغاصب، خصوصًا بعد نكسة 1967 وتصاعد العمليات العسكرية على الحدود اللبنانية الفلسطينية. ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تعرّضت قرى مثل بنت جبيل ومارون الراس والطيبة وعيتا الشعب والخيام لقصف متكرّر من قبل العدو الإسرائيلي أدّى إلى سقوط مئات الضحايا المدنيين وتهجير آلاف العائلات، إلّا أنّ أبناء الجنوب كانوا يعودون دائمًا إلى قُراهم بعد كل حرب، يُعيدون بناء منازلهم ويزرعون أرضهم من جديد. في عام 1978 شنّ العدو الإسرائيلي عملية عسكرية واسعة عُرفت باسم "عملية الليطاني"؛ حيث اجتاح مساحات كبيرة من الجنوب اللبناني حتى نهر الليطاني. يومها سقط أكثر من ألف شهيد لبناني وفلسطيني، وتهجّر ما يقارب 250 ألف مدني بحسب تقارير الأمم المتحدة. ورغم حجم الدمار الهائل، لم تتحوّل القرى الجنوبية إلى مناطق مهجورة دائمة كما أراد الاحتلال، بل عاد السكان تدريجيًا رغم غياب الإمكانات والخوف من تجدّد القصف.

وفي عام 1982، دخلت القوات الإسرائيلية إلى بيروت بعد اجتياح واسع للبنان، واحتُلّت أجزاء كبيرة من الجنوب والبقاع الغربي. خلال تلك المرحلة، عاش أهالي الجنوب سنوات صعبة من الاحتلال المباشر وجيش لحد الجنوبي، والحواجز العسكرية، والاعتقالات، والتعذيب داخل معتقل الخيام الذي أصبح رمزًا لمعاناة الأسرى اللبنانيين. كثير من العائلات كانت ترى أبناءها يُعتقلون أو يُقتلون أو يُهجَّرون، لكن ذلك لم يدفعها إلى التخلّي عن أرضها أو قبول واقع الاحتلال. برزت خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي نماذج شعبية لافتة للصمود؛ حيث كانت القرى الحدودية تعيش تحت القصف شبه اليومي، ومع ذلك استمرّ الناس في أعمالهم الزراعية والتجارية. المزارعون في سهل مرجعيون وحاصبيا كانوا يتوجّهون إلى حقول التبغ والزيتون رغم تحليق الطائرات الحربية الإسرائيلية، فيما كانت المدارس تُفتح أحيانًا وسط أصوات القذائف. هذا الإصرار على الحياة تحوَّل إلى شكل من أشكال المقاومة المدنية الوطنية التي أرادت التأكيد أنّ الجنوب ليس أرضًا خالية يمكن اقتلاع أهلها منها.

في نيسان/ أبريل عام 1996 شنّ العدو الإسرائيلي عملية "عناقيد الغضب"، التي استهدفت القرى الجنوبية والبنى التحتية اللبنانية. وخلال تلك العملية وقعت مجزرة قانا الشهيرة في 18 نيسان/ أبريل 1996 عندما قصفت المدفعية الإسرائيلية مركزًا تابعًا لقوات الأمم المتحدة كان يحتمي فيه مدنيون لبنانيون. استشهد أكثر من مئة مدني، بينهم أطفال ونساء، في واحدة من أبشع المجازر التي هزّت الرأي العام العالمي لكن بدون أي محاسبة لهذه الوحشية الصهيونية. لكن حتى بعد تلك المجزرة، عاد أهالي قانا والقرى المجاورة إلى منازلهم المدمّرة وأعادوا ترميم ما تهدّم.

وفي 25 أيار/ مايو 2000 انسحب العدو الصهيوني من معظم الأراضي اللبنانية المحتلّة تحت ضغط العمليات العسكرية والمقاومة الشعبية، في حدث اعتُبِر نقطة تحوّل تاريخية في المنطقة. يوم التحرير شهدت قرى الجنوب عودة عشرات آلاف الأهالي الذين دخلوا قراهم سيرًا على الأقدام وهم يرفعون الأعلام اللبنانية وصور الشهداء. كانت مشاهد الناس وهم يعانقون أرضهم بعد سنوات الاحتلال تعبيرًا عن العلاقة العميقة بين الإنسان الجنوبي وأرضه. لكن الجنوب لم ينعم بالهدوء طويلًا؛ إذ اندلعت حرب تموز/ يوليو عام 2006 التي استمرّت 33 يومًا وتسبّبت بدمار واسع في القرى الجنوبية والضاحية الجنوبية لبيروت والبنى التحتية اللبنانية. خلال تلك الحرب، تعرّضت بلدات مثل بنت جبيل وعيتا الشعب والخيام ومارون الراس لقصف عنيف أدّى إلى تدمير أحياء كاملة. قُتل أكثر من 1200 لبناني معظمهم من المدنيين، وتهجَّر نحو مليون شخص داخل لبنان. ومع ذلك، وبعد وقف إطلاق النار في 14 آب/ أغسطس 2006، وخلال ساعات قليلة، بدأت قوافل الأهالي بالعودة فورًا إلى قراهم رغم التحذيرات من القنابل العنقودية والدمار الهائل. أصبحت صور النساء وهنّ ينظفن الركام، والمزارعين وهم يُعيدون زراعة الأرض المحروقة، والأطفال الذين عادوا إلى مدارسهم وسط الأبنية المهدّمة، جزءًا من ذاكرة الجنوب الجماعية. فبالنسبة لكثير من الجنوبيين، الأرض ليست مجرّد ملكية عقارية، بل هي تاريخ العائلة وكرامة الإنسان وذاكرة الشهداء والأجداد.

وفي السنوات الأخيرة، ومع تجدُّد التوترات والاعتداءات الإسرائيلية على الحدود الجنوبية، عاد مشهد النزوح والقصف والخوف إلى القرى الحدودية. فمنذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 تصاعدت المواجهات العسكرية والقصف المتبادل على طول الحدود اللبنانية الفلسطينية، ما أدّى إلى استشهاد مدنيين وإعلاميين ومُسعفين، إضافة إلى تدمير منازل وحقول زراعية واسعة، خصوصًا في بلدات مثل يارون والناقورة وكفركلا وعيتا الشعب والعديسة. كما أثارت مشاهد استخدام الفوسفور الأبيض في بعض المناطق الزراعية إدانات حقوقية وإنسانية بسبب تأثيرها على المدنيين والبيئة. ورغم الظروف الاقتصادية القاسية التي يعيشها لبنان منذ عام 2019، وما رافقها من انهيار مالي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، بقي كثير من أبناء الجنوب متمسّكين بالبقاء في قراهم. بعضهم رفض بيع أرضه رغم المغريات المالية، وآخرون عادوا إلى الزراعة التقليدية لتأمين لقمة العيش وحماية ارتباطهم بالأرض.

إنّ خصوصية الجنوب اللبناني تكمن في أنّه لم يتحوّل إلى مساحة خوف دائم، بل إلى مساحة ذاكرة جماعية تحفظ قصص الشهداء والأسرى والمُهجَّرين والعائدين. فكل قرية تحمل حكاية مقاومة وصمود، وكل بيت يحمل صورة شهيد أو أسير أو مفقود. لذلك، يرى كثير من اللبنانيين أنّ الجنوب يمثّل نموذجًا لشعبٍ تعلّم كيف يحوّل المعاناة إلى قوة، والدمار إلى إرادة حياة. وعبر التاريخ، أثبتت التجارب أنّ الشعوب التي تتمسّك بأرضها وهويتها لا يمكن اقتلاعها بسهولة مهما بلغت قوة العدوان. فالجنوب اللبناني، رغم الحروب المتكرّرة، ما زال ينبض بالحياة، وتعود إليه مواسم الزيتون والتبغ والقمح بعد كل مواجهة، وكأنّ الأرض نفسها ترفض الموت. وبين الركام والحقول والبيوت القديمة، يستمرّ الجنوبيون في كتابة حكاية شعبٍ لا يموت، لأنّه قرّر أن يبقى واقفًا دفاعًا عن أرضه وكرامته وحقّه في الحياة.

ربما هذه المقالة تُنعش عقول المسؤولين في دولتنا اللبنانية وعلى رأسهم فخامة رئيس الجمهورية كي لا نكون ضمن مخطط تفرضه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على منطقتنا على مثال النموذج السوري بتوظيف أركان حكمه والتخلي عن جنوبه بدون أي مقاومة.

لكن اعلموا جيدًا أن في لبنان رجالًا لا يُساومون على أرضهم وعرضهم وسيُفشلون أي مخطط لتفتيت لبنان أكان خارجيًا أو من المتواطئين معه داخليًا والذين أصبحوا معروفين بنواياهم وأجندات مشغليهم.

لبنان سيبقى أرض العز والكرامة والوفاء بسواعد أبطاله ورغمًا عن أعدائه أكانوا من الخارج أو الداخل؛ فالأرض والشعب والمقاومة معادلة قوية وثابتة لا تُقهر وستظل مخرزًا في عين العدو أيًا كان حجمه ومكانه.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z