المحافظات والأندية.. هل حان وقت الشراكة؟

 

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

نُتابِع هذه الأيام بطولة "شجَّع فريقك"، هذه البطولة التي نالت متابعة واسعة من الجماهير والمهتمين، وبلغت تنافسيتها درجةً لم نشهدها في الدوريات المحلية، وهذا المشهد يقود إلى تساؤل مُهم؛ وهو: كيف يمكن استثمار هذا الزخم الكبير من المتابعة والاهتمام والشغف لدى الجماهير الرياضية؟

وحتى نُجيب على هذا السؤال لا بُد من تقديم نظرة إصلاحية لواقع الأندية الرياضية وعلاقتها بالمؤسسات الأخرى، وكيف يمكن أن تكون هناك شراكة حقيقية بين الأندية والمؤسسات الأخرى والمحافظات خاصة في ظل الإدارة اللامركزية الحديثة وتمكين المحافظات ودور ذلك في التنمية المحلية وفق مستهدفات رؤية "عُمان 2040".

لا شك أن للأندية دورًا ثقافيًا واجتماعيًا ورياضيًا في المجتمع. والرياضة هي بوابة الصحة والسلامة العامة، وهذه الأدوار تتكامل بشكل مباشر مع أهداف التنمية المستدامة التي تسعى الدول لتحقيقها، كما أن التنشيط الاقتصادي والاجتماعي وتوليد الوظائف المباشرة وغير المباشرة وتنمية القدرات جزء أساسي من أدوار المحافظات كمنظومة مجتمعية متطورة اقتصادية تقع على عاتقها مسؤولية تحقيق أهداف التنمية الوطنية في كافة ربوع الوطن، وهذا هو المدخل الأساسي الذي يجعل الشراكة ممكنة وحتمية بين المحافظات والأندية متى ما توافرت الرغبة في ذلك.

وبنظرة مباشرة نجد أن الأندية تتلقى الدعم بشكل مباشر من الحكومة، مع وجود استثمارات متواضعة لدى بعضها، فهل هذا النموذج القائم على الدعم الحكومي قادر على تحقيق الاستدامة للأندية؟ الجواب لا يحتاج لتفكير طويل؛ فالمتابع لحال الرياضة يدرك أن الجواب قطعًا (لا)؛ إذ تتعرض الأندية بشكل مستمر لأزمات مالية، أدت لتوقف نشاط بعضها، وهذه خسارة تنموية للمجتمع الذي وضع النادي لخدمته، وتراجع في دور مؤسسات مدنية تضع الدولة على عاتقها مسؤولية كبيرة، وهذا ليس حال أنديتنا فقط؛ بل هي مشكلة عامة تعاني منها جميع النماذج التي تعتمد على التمويل الحكومي بشكل أساسي، لذلك لابد من التفكير في حلول أخرى تحقق الاستدامة والأهداف المرجوة من وجود الأندية.

نأتي إلى نظام المحافظات الجديد، والذي انتقل بمفهوم الإدارة المحلية من المفهوم التقليدي إلى التمكين والتنمية المستدامة الشاملة، ومن المركزية إلى الاستقلالية، هذا النموذج الذي حوّل المحافظات كإحدى قاطرات الدعم الاقتصادي المساهم في الدخل القومي، وجعل منها مسؤولة عن زيادة جودة الحياة في المجتمع، ومكلفة بتوفير فرص العمل وزيادة الاستثمارات وتفعيل دور القطاعات والاستفادة من الموارد المتاحة في المحافظات، والرياضة هي أحد مكونات التنمية الاجتماعية التي يمكن أن تساهم في هذا الجانب، وهذه الأندية موجودة داخل المحافظات لتخدم سكانها، والنادي أداة لاحتواء الشباب، وكون المحافظة هي الأقرب إلى احتياجات المجتمع المحلي فإنَّ الشراكة مع النادي يمكن أن تكون استثمارًا في التنمية المحلية وليس مجرد إنفاق رياضي.

ومن هنا نعرج إلى جوهر الموضوع وهو: كيف يُمكن إيجاد شراكة حقيقية بين المحافظات والأندية، وهنا نركز على مصطلح شراكة وليس دعمًا؛ فالدعم لا يحقق الاستدامة عكس الشراكة التي تربط بين الطرفين كمستفيدين، فالمحافظة ترغب في التنمية والأندية هي إحدى الأدوات المهمة لذلك، فوجود أندية قوية ذات جماهيرية كبيرة مع وجود منشآت رياضية ذات جودة عالمية يحقق استفادة رياضية للطرفين، كما أنه عامل أساسي لجذب بطولات وفعاليات وأحداث رياضية مختلفة، ومصدر مُهم لسياحة رياضية تساهم في تشغيل قطاعات متعددة داخل المحافظات مثل الفنادق والمطاعم والمقاهي والترفيه، كما أنها تساهم في خلق فرص عمل مرتبطة بهذه الخدمات، في المقابل ومن خلال هذه الشراكة تصبح الأندية ذات قدرة مالية وبشرية عالية، وهذا ما يجعلها مؤسسات قادرة على القيام بدورها بشكل صحيح، وذات استدامة.

الشراكة بين المحافظات والأندية يجب أن تتجاوز حدود رعاية الفعاليات لتمتد إلى استثمار المنشآت الرياضية، وهناك نماذج عالمية في هذا السياق على سبيل المثال ملعب (سان سيرو) التابع لبلدية ميلانو؛ حيث تستفيد منه أندية ميلان وإنتر ميلانو. وملعب روما الأولمبي الذي تستفيد منه أندية روما ولاتسيو، وملعب "منتجويك" في برشلونة التابع لبلدية برشلونة والذي يستفيد منه نادي برشلونة وجيرونا وإسبانيول، هذه نماذج للشراكة بين المحافظات والأندية حيث تستثمر المحافظات (البلديات) في هذه المنشآت لكونها تمتلك القدرة المالية لإدارتها، وتملك القدرة لتشغيلها طوال العام في مختلف الفعاليات والأنشطة، وفي نفس الوقت تستفيد من استخدام الأندية لهذه المنشأة بشكل اقتصادي عالٍ.

وتحويل المجمعات الرياضية في المحافظات إلى منشآت حيوية أمر بالغ الأهمية؛ حيث لا يُمكن تحمل الكُلفة التشغيلية العالية في مقابل مردود بسيط، ويجب التفكير في استثمار هذه المنشآت بشكل أفضل مما نشاهده، وهذا أمر يمكن تحقيقه عن طريق المحافظة كمنظومة حديثة يناط بها زيادة الحراك الاقتصادي والاجتماعي والسياحي في المحافظة، كما أن وجود شركات كبرى في جميع المحافظات لتنفيذ عديد المشاريع الوطنية الكبرى وبإشراف مباشر من المحافظة يعطي فرصة كبيرة لقيام شراكات استثمارية في المحافظة، وهذا أمر سوف يعود بالنفع والفائدة على الأندية وسوف يساهم في إيجاد اندية قوية ذات قدرة على تحقيق الأهداف الرياضية والاقتصادية في وقت واحد.

لقد أيقن الكثير من الدول بقوة الرياضة كمُمَكِّن اقتصادي ومُساهم في جذب الأموال؛ فعملت على صناعة أندية قوية ماليًا وجماهيريًا لهذا الغرض على غرار برشلونة وريال في إسبانيا، ومانشستر يونايتد ومانشستر سيتي وأرسنال وليفربول وتشيلسي وتوتنهام في إنجلترا، وبايرن ميونيخ وبروسيا دورتموند في ألمانيا، وباريس سان جيرمان ومارسيليا فيي فرنسا. وعربيًا هناك القطبان الأهلي والزمالك في مصر، والهلال والنصر في السعودية، والرجاء والوداد في المغرب، وغيرها كثير، ويكفي أن نعرف أنَّ الأثر الاقتصادي للدوري الإنجليزي وصل في العام 2026 إلى 11 مليار جنيه إسترليني، إضافة إلى 105 آلاف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، لندرك مدى قدرة الرياضة على تحقيق النجاح الاقتصادي، وأن نضع هذه الشراكة كهدف استراتيجي للتنمية.

الأكثر قراءة

z