د. حامد بن عبدالله البلوشي
لم يكن التاريخ الإنساني في جميع مراحله صفحةً ناصعة البياض؛ أو مدينة فاضلة خالية من العيوب والآفات، فقد تعاقبت عليه عصور ازدهرت فيها الحضارات، وسادت فيها الفضيلة والعدالة، إلا أنه قد شهد كذلك صفحاتٍ قاتمة امتهنت الإنسان، وسلبته حريته، وجعلت منه سلعةً تُباع وتُشترى.
غير أنَّ التاريخ نفسه يعلّمنا أن إرادة الإنسان في التحرر أقوى من كل القيود، وأن صوت العدالة، وإن تأخر، لا بد أن ينتصر في نهاية المطاف. ومن هذا المنطلق يأتي اليوم الدولي لإحياء ذكرى تجارة الرقيق وإلغائها، الذي يُوافق الثالث والعشرين من أغسطس من كل عام، وهي مناسبة عالمية لاستحضار واحدة من أكثر المآسي الإنسانية إيلامًا، وأشدها إساءة للبشرية، وللتأكيد أن صون الكرامة الإنسانية مسؤولية مشتركة لا تسقط بالتقادم.
وقد اعتمدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) هذا اليوم تخليدًا لانتفاضة المستعبدين التي اندلعت في سانت دومينغ (هايتي حاليًّا) ليلة الثالث والعشرين من أغسطس عام 1791، ضد واحدة من أقوى الإمبراطوريات في العالم في ذلك الوقت وهي الإمبراطورية الفرنسية، والتي شكّلت نقطة تحول مفصلية في مسيرة النضال ضد تجارة الرقيق والعبودية، ومهدت الطريق لإلغاء هذه الممارسة الدنيئة في كثير من أنحاء العالم، ورسخت أنَّ الحرية حق أصيل لا يجوز مصادرته.
لقد نشأت تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي مع التوسع الاستعماري الأوروبي منذ القرن الخامس عشر الميلادي، حين تحولت القارة الإفريقية إلى مصدرٍ لملايين البشر الذين اقتُلِعوا من أوطانهم، وفُصلوا عن أسرهم، ونُقلوا في ظروف بالغة القسوة إلى الأمريكتين للعمل قسرًا في المزارع والمناجم وغيرها من الأعمال الشاقة. وقد مارست هذه التجارة قوى استعمارية إمبريالية أوروبية عدة، وأسهمت في واحدة من أكبر عمليات الاستغلال المنظم في التاريخ، مخلفةً آثارا إنسانية واجتماعية وثقافية ما زالت بعض المجتمعات تُعاني تبعاتها حتى اليوم.
ولم تقتصر المأساة على فقدان الحرية، بل امتدت إلى تمزيق الأسر، وتفكيك المجتمعات، وطمس الهويات الثقافية، وحرمان ملايين البشر من أبسط حقوقهم. كما خلفت آثارا نفسية واجتماعية واقتصادية عميقة انتقلت من جيل إلى جيل، وأسهمت في ترسيخ أنماط من التمييز والعنصرية لا يزال العالم يرزح تحت وطأتها، ويئن من تبعاتها، ويبذل جهودًا كبيرة للقضاء عليها.
ومع ذلك، فإنَّ صفحات التاريخ لم تخل من مشاهد البطولة والمقاومة؛ فقد رفض المستعبَدون واقعهم، وقادوا انتفاضات متكررة، كان أبرزها الثورة الهايتية التي أصبحت رمزا عالميًا لنضال الإنسان من أجل الحرية. كما أسهم المفكرون والمصلحون والحركات الإنسانية في أوروبا والأمريكتين، إلى جانب الضغوط المجتمعية المتزايدة، في الدفع نحو إصدار القوانين التي ألغت تجارة الرقيق، ثم أبطلت نظام العبودية تدريجيا في مختلف الدول.
وإذا كان العالم قد احتاج قرونا طويلة حتى يصل إلى قناعة عالمية برفض العبودية، فإن الإسلام سبق ذلك بقرون، حين وضع منهجا متدرجا لتحرير الإنسان، فلم يكتف الإسلام بالدعوة إلى الإحسان إلى الرقيق، بل جعل عتق الرقاب من أعظم القربات، وربط به كفارات عدد من الذنوب، مثل القتل الخطأ والظهار والحنث في اليمين، في خطوة تشريعية حكيمة هدفت إلى تضييق دائرة الرق، وتوسيع أبواب الحرية، حتى أصبح تحرير الإنسان عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى، ومنهجا عمليا للقضاء على العبودية تدريجيا. فقد جعل القرآن الكريم فك الرقاب من أعمال البر، فقال تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، كما جعل الإسلام تحرير رقبة مؤمنة من كفارة القتل الخطأ، إلى جانب الدية فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ كما قرر مبدأ المساواة الإنسانية بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وأكد النبي هذا المعنى في خطبة الوداع بقوله ﷺ: "لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلَّا بالتقوَى، النَّاس من آدم، وآدم من تراب"، فأرسى بذلك قاعدة خالدة في المساواة وصيانة الكرامة الإنسانية.
وفي هذا السياق، تبرز جهود السلطنة في ترسيخ منظومة متكاملة لحماية الإنسان وصون كرامته، من خلال تطوير التشريعات الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر، وإنشاء اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر، وتعزيز آليات حماية الضحايا، ونشر الوعي المجتمعي، وتكثيف برامج التدريب والتثقيف، فضلًا عن التعاون مع المنظمات الإقليمية والدولية في مواجهة هذه الجريمة العابرة للحدود. وتؤكد هذه الجهود التزام السلطنة بالاتفاقيات الدولية، وحرصها على بناء مجتمع يقوم على العدالة، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، انسجامًا مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040" التي تجعل الإنسان محور التنمية وغايتها.
ورغم أنَّ تجارة الرقيق بصورتها التاريخية أصبحت من الماضي، فإنَّ العالم لا يزال يواجه صورا جديدة من الاستغلال، تتمثل في الاتجار بالبشر، والعمل القسري، والاستغلال الجنسي، واستغلال الأطفال، وغيرها من الممارسات التي تُعد انتهاكا صارخاً لكرامة الإنسان. ولهذا فإنَّ مسؤولية مكافحة هذه الجرائم لم تعد مسؤولية الحكومات وحدها، بل أصبحت واجبا تشترك فيه المؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والأسر، من خلال نشر الوعي، وتعزيز ثقافة احترام الإنسان، والإبلاغ عن الممارسات المخالفة، وترسيخ قيم العدالة والمساواة.
وفي الختام.. فإنَّ إحياء اليوم الدولي لذكرى تجارة الرقيق وإلغائها ليس دعوةً للبقاء أسرى للماضي، وإنما هو دعوة إلى التعلم من دروسه، وصون الكرامة الإنسانية، وتجديد الالتزام العالمي بمناهضة جميع أشكال الاستعباد، والتمييز، والاستغلال. فكل خطوة تتخذ لحماية الإنسان هي انتصار للإنسانية كلها، وكل جهد يُبذل لترسيخ قيم الحرية والمساواة هو لبنة في بناء عالم أكثر عدلا ورحمة وسلاما؛ عالم يكون فيه الإنسان قيمة لا سلعة، وغاية لا وسيلة.
** مدير عام شبكة الباحثين العرب في مجال المسؤولية المجتمعية
