التقاعد بين حق المرأة واستدامة صندوق الحماية الاجتماعية

 

 

فايزة سويلم الكلبانية

Faizaalkalbani1@gmail.com

تخيلوا مشهدًا بسيطًا يتكرر في بيوت عُمانية كثيرة: أب وأم يخرجان صباحًا إلى العمل، يحملان سنوات طويلة من الخبرة والمسؤولية، بينما يجلس في البيت ابنٌ تخرَّج في الجامعة منذ سنوات، وبجانبه شقيقته التي تحمل شهادة أخرى، وكلاهما ينتظر فرصة عمل قد تأتي اليوم أو بعد سنوات.

هنا لا تعود قضية التقاعد مجرد حساب لسنوات الخدمة أو مُعادلة مالية؛ بل تصبح جزءًا من معادلة اجتماعية واقتصادية أكبر: كيف نفتح الطريق أمام جيل جديد، من دون أن نترك الجيل الذي سبقه أمام خيار الاستمرار حتى استنزافه، أو الاستقالة بلا حماية كافية؟

لقد جاء قانون الحماية الاجتماعية ليؤسس لمنظومة أكثر استدامة، وهو هدف وطني لا يُمكن الاختلاف على أهميته، لكن الاستدامة لا تعني الجمود، والحماية الاجتماعية لا ينبغي أن تكون مجرد مظلة مالية عند نهاية العمر الوظيفي، بل منظومة تستجيب لتحولات المجتمع وسوق العمل.

اليوم، يمثل إكمال 30 عامًا من الخدمة أحد مسارات التقاعد المبكر دون اشتراط السن، مع وجود مسارات أخرى وفق العمر ومدة الخدمة وطبيعة العمل. كما أن المعاش يُحتسب وفق معدل استحقاق سنوي قدره 2% من الأجر وفق أحكام القانون.

لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بجرأة: هل ثلاثون عامًا هي دائمًا المدة الأنسب لكل إنسان، ولكل مهنة، ولكل امرأة؟

المرأة تحديدًا تحتاج إلى مساحة أكبر في هذه المعادلة. فمسيرتها المهنية لا تسير دائمًا في خط مستقيم؛ هناك الأمومة، وتربية الأبناء، ورعاية الأسرة، ومسؤوليات اجتماعية وأسرية قد تتراكم مع سنوات العمل. ومن غير المنطقي أن نتحدث عن العدالة بالمفهوم الحسابي فقط، بينما نتجاهل اختلاف الظروف الإنسانية.

المطلوب ليس منح المرأة امتيازًا على حساب الاستدامة، وإنما منحها خيارًا. لماذا لا ندرس مسارًا اختياريًا لتقاعد المرأة بعد مدة خدمة أقل من 30 عامًا، وفق ضوابط اكتوارية واضحة؟ لماذا لا يكون هناك سلم مرن للتقاعد، يرتبط بالعمر ومدة الاشتراك ونسبة المعاش، بحيث تستطيع المرأة اتخاذ القرار دون أن تضطر إلى الاستقالة عندما تشعر أنَّ ظروفها لم تعد تسمح لها بالاستمرار؟

والأمر لا يتعلق بالمرأة وحدها. فسوق العمل نفسه يتغير. التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والأتمتة تعيد تشكيل الوظائف والمهارات المطلوبة، ورؤية عُمان 2040 تستهدف سوق عمل مواكبًا للتحولات التقنية والمعرفية، وقوى عاملة عالية المهارة والإنتاجية.

وفي المقابل، لدينا جيل جديد من الخريجين والباحثين عن عمل يحتاج إلى أن يجد مكانه في هذا السوق المتغير. وقد أكدت رؤية عُمان 2040 أن معالجة ملف التشغيل تتطلب حلولًا مستدامة لسد الفجوة المعرفية والمهارية وربط الباحث عن العمل باحتياجات السوق.

لذلك، فإنَّ خروج الموظف القديم ليس هو الحل، كما أن إبقاءه في موقعه إلى أن يستنزف طاقته ليس حلًا أيضًا. الحل في إدارة دورة الحياة الوظيفية بذكاء.

وهنا يأتي الدور الذي يمكن أن يلعبه صندوق الحماية الاجتماعية بصورة أكبر: أن يكون شريكًا في تصميم خيارات تقاعد مرنة، لا مجرد جهة تصرف المعاش. أن يدرس أثر التقاعد المبكر للمرأة، ويقدم نماذج اكتوارية متعددة، ويقيس أثرها على الاستدامة المالية، وفي الوقت نفسه يدرس أثر استمرار الموظفين لسنوات طويلة على دوران الوظائف وفرص الداخلين الجدد إلى سوق العمل.

نحن لا نطالب بأن يخرج الإنسان من عمله بلا حقوق، ولا أن تتحول الوظائف إلى مقاعد تنتظر أصحابها إلى ما لا نهاية. نحن نبحث عن مفهوم حقيقي للحماية، حماية الموظف الذي استنزفت سنوات الخدمة طاقته، حماية المرأة التي تحمل مسؤوليات متعددة، حماية الأسرة من فقدان مصدر الدخل، وحماية الشاب الذي ينتظر فرصة ليبدأ حياته.

إنَّ صندوق الحماية الاجتماعية أمام فرصة لصناعة نموذج عماني أكثر مرونة: تقاعد اختياري للمرأة بعد مدة خدمة أقل، خيارات تقاعد تدريجية، عمل جزئي أو مرن قبل التقاعد، برامج انتقال الخبرات من جيل إلى آخر، وحسابات اكتوارية تضمن ألا تتحول هذه الخيارات إلى عبء على الأجيال القادمة.

فالعدالة ليست أن نطلب من الجميع أن يمشوا في الطريق نفسه.. العدالة أن نعطي الإنسان طريقًا آمنًا للاختيار.. فثلاثون عامًا قد تكون رقمًا مناسبًا في جدول حسابي، لكنها في حياة الإنسان ثلاثة عقود من العمل والعطاء والتضحيات.. والسؤال الحقيقي اليوم ليس: متى نُخرج الموظف من العمل؟ بل: كيف نحميه عندما يُريد أن يخرج، ونفتح في الوقت نفسه الباب لمن ينتظر الدخول؟ هذه هي الحماية الاجتماعية التي تستحق أن نبحث عنها.

الأكثر قراءة

z