الوعي المزيف.. حين نعتقد أننا نفكر

 

 

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

أخطر أشكال التأثير ليست تلك التي تجبر الإنسان على اعتناق فكرة، بل تلك التي تجعله يعتقد أن الفكرة التي اعتنقها هي اختياره الحر، هذا التأثير يظهر لك كيف يمكن أن نعتنق أفكارًا ليست من صميم قناعاتنا وانما بفعل أساليب ومنهجيات تمارس علينا تجعلنا نسير بهذا الاتجاه معتقدين أننا نختار طريقنا بحرية تامة، لقد وجدنا أنفسنا منساقين لأفكار لم نناقشها مع أنفسنا من قبل، لم ندرك أنها قناعاتنا إلا بعدما أصبحنا ندافع عنها ونتعامل معها وكأنها ولدت معنا.

قد يعرف الإنسان الكثير، لكنه لا يفهم ما يعرف. وقد يفهم، لكنه لا يتصرف وفق ما فهم، وتكمن الإشكالية الحقيقية في المجتمعات ان الأفراد يمتلكون الكثير من المعلومات والمعارف، وقد يفهم بعضهم هذه المعلومات، لكن الكثير منهم لا يدركون عمق هذه المعرفة، ولا يتبنون مواقف مسؤولة نتيجة هذا الفهم، ولا يتصرفون وفقه، بل ولا يسلكون سلوكًا يتوافق مع هذه معرفتهم وفهمهم، وهذه هي اشكالية الوعي لدى الإنسان، وتعاني المجتمعات البشرية في هذا الوقت من وفرة المعلومات وتدني الوعي.

وكثيرٌ مما نعتقده لا يكون ناتجًا عن قناعاتنا، فهناك سلسلة مترابطة من المؤثرات التي تشكل هذه القناعات؛ فالأسرة والمدرسة والمجتمع والإعلام والمؤثرون كلهم يشاركون في تشكيل هذه القناعات، وهنا لا بُد من أن يكون للوعي دور في توجيه أفكارنا وسلوكنا؛ فالآراء التي نكونها نحو قضية معينة هي نتاج هذا التفاعل والخبرات والمعلومات، اما القناعات فتأتي بعد ادراك وفهم وموازنة واختبار ولذلك نقول ان الرأي هو ما نعتقده، أما القناعة فهي ما نعتقده بعد أن نفكر فيه، والوعي هو أن ندرك لماذا نعتقده، وأن نملك الشجاعة لمراجعته.

لقد أصبحنا مُحاطين بوسائل يمكنها أن تحول الرأي إلى قناعة، فالتكرار للآراء والمواقف والأفكار الذي يحدث أمامنا كفيل بجعلنا نتبنى قناعات معينة، وهو من يحول هذه الأفكار إلى حقائق في أذهاننا، وقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في هذا الجانب، فالخوارزميات وغرف الصدى والتفاعل الجماعي وتكرار الرسالة كل هذه الأساليب تصنع وعيًا مزيفًا، حيث نجد أثناء بحثنا عن موضوع معين أو حديثنا حول معلومة أن وسائل التواصل الاجتماعي بدأت في عرض نفس هذه المواضيع، ونتسأل باستغراب عن كيفية حدوث ذلك؟

بكل بساطة الخوارزميات هي تعني ما المحتوى الذي يُرجَّح أن يجذب انتباه هذا المستخدم، ما المواضيع التي يتوقف عندها وما الذي يجذب انتباهه، وتبدأ هذه التطبيقات في عرض كل ذلك عليه وبترتيب معين، وهذا يجعلنا نختار ونتابع هذه المواضيع ونشكل حولها افكار ومواقف وسلوكيات، كل ذلك يحدث ونحن نعتقد أن ذلك يحدث بشكل تلقائي وطبيعي وبدون قصد.

لا يقتصر الأمر على الفرد، حتى الجماعات يتم تشكيل قناعاتها بهذا الشكل؛ فالأفراد الذين يتعرضون إلى هذه البرمجة الممنهجة هم ذاتهم يشكلون المجتمع، لقد تحدث المؤرخ والفيلسوف الفرنسي جوستاف لوبون في نظرية "سيكولوجية الجماهير" عن هذا الأمر؛ وهو تفاعُل الأفراد مع سلوكٍ ما ينتشر بين الآخرين مثلما يحدث في الامواج المكسيكية للمشجعين؛ حيث تبدأ مجموعة بالفعل فتتبعها باقي المجموعات دون فهم لماذا يقومون بتلك الحركة.

وهكذا يتم صناعة الوعي المزيف في المجتمعات عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث تنشُر افكارًا سلبية مغلوطة حول قضية معينة، فتظهر بشكل متكرر وسريع ومتواصل ليظن الناس أنها حقيقة ثابتة، ويتم تشكيل قناعات الأفراد خاصة أولئك الذين لا ينتقلون من مرحلة تلقي المعلومة إلى فهمها وإدراكها والتعمق في تحليلها، فيتخذون مواقف بناءً على هذا الفهم السطحي.

والسؤال الاهم كيف يكون لدينا وعي حقيقي؟ وكيف يمكن ان يكون لدينا فكر مستقل مبني على قناعات؟ وكيف يمكننا التعامل مع كل هذه الأفكار والأحداث التي نعيشها بشكل يومي خاصة في وسائل التواصل الاجتماعي، والجواب يحتاج لكثير من النقاش والجهد والتعديل السلوكي، حيث يبدأ ذلك من طرح الاسئلة على النفس عند تلقي أي معلومة مثل لماذا وكيف واين، والشك الممنهج الذي يوصلنا للحقيقة كما قال الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت: "لا ينبغي أن أقبل شيئًا على أنه حقيقة ما لم أكن متأكدًا منه يقينًا"، ثم أطلق عبارته الشهيرة "أنا أفكر إذن أنا موجود".

كما أن الوعي يتشكل بالقراءة والمعرفة وتعلم طرق التفكير الناقد، والقدرة على مخالفة الجميع عندما تتكون لدينا قناعة حول أمر ما، عندما نصل لهذه المرحلة عندها تكون اختياراتنا حقيقة وأفكارنا ناتجة عن قناعاتنا، وقناعاتنا تكون قد بنيت عن وعي ونكون نحن من اختارها بصدق.

الأكثر قراءة

z