د. محمد بن خلفان العاصمي
ما تمُر به المنطقة حاليًا من أزمة لم يشهد لها التاريخ مثيلا، لا شك أنه يلقي بظلاله على المشهد الاقتصادي العالمي، والاعتبارات كثيرة ويكفي أن 20% من صادرات العالم من الطاقة تأتي من منطقتنا، وهذا في حد ذاته سبب رئيس في جعل أسعار النفط تتأرجح صعودًا ونزولًا، هذه الأزمة التي تعيشها المنطقة والتي لا يلوح في الأفق مدى مُحدد لها، كما أن ما تخلفه من تأثيرات يزداد يومًا بعد يوم، وقد تكون هذه الأزمة هي الأكثر كلفة اقتصاديًا في العقود الأخيرة من بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.
لقد قُدِّرَ لنا أن نكون في هذه المنطقة، وهذا أمر لا اختيار لنا فيه، وكم حاولت سلطنة عُمان دائمًا تجنيب المنطقة الصراعات من خلال المساعي الدبلوماسية وتقريب وجهات النظر بين الأطراف والوساطات، ولكن يبدو أنَّ هناك من يريد هذا الوضع، وعلينا أن نُواجه الأزمة بشكل يحقق مصالحنا الوطنية ويجنبنا التأثيرات السلبية خاصة على المدى الطويل.
الدبلوماسية الاقتصاديّة التي تسير عليها سلطنة عُمان في هذا العهد المتجدد وضعت أهدافاً استراتيجية تسعى لتحقيق النمو الاقتصادي من خلال جذب الاستثمارات والمساهمة في تنويع مصادر الدخل، وإبراز الفرص المتاحة لدينا للعالم الخارجي، والاستفادة من الدبلوماسية السياسية والدور الحيوي الذي تقوم به الدولة على صعيد الوساطات الدولية، هذه الدبلوماسية التي يجب أن تنتقل في ظل هذه الأزمة وأن يعاد تعريف دورها ليتحول من الترويج للتجارة والاستثمار إلى حماية المصالح الوطنية؛ فالوضع الراهن يُحتِّم علينا إعادة قراءة المشهد والحفاظ على المكتسبات وضمان عدم حدوث انتكاسة في النمو الاقتصادي الذي شهدته القطاعات الاقتصادية المختلفة، وعلى الدبلوماسية الاقتصادية أن تلعب دورًا في بناء شراكات وأن تكون أداة تأثير على القرارات المصيرية، بمعنى أن ندفع بمصالحنا نحو الأمام عندما نشارك في وضع حلول للأزمة.
وكما ذكرتُ سابقًا؛ فهذه الأزمة سوف تعيد تشكيل المشهد بشكل كامل، الاقتصاد والتحالفات والتكتلات كلها سوف تخضع لمعايير مختلفة عن تلك التي كانت قبل الحرب، وهذه طبيعة الصراعات الجيوسياسية، ومن يسبق الآخرين بخطوة سوف تكون لديه فرص نجاح أكبر في الخروج من هذا الوضع بشكل أفضل. ولا شك أنَّ تأثير هذه الأزمة على القطاعات الاقتصادية كبير جدًا خاصة سلاسل الإمداد التي اضطربت بشكل كبير بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين، وهو وضع لن يعود إلى سابق عهده على الأقل خلال السنوات القليلة القادمة، وهذا الوضع يجبرنا على البحث عن حلول بديلة خاصة مع الموقع الجغرافي لسلطنة عُمان، وهنا لابد من أن يتغير مفهوم العولمة الاقتصادية المفتوحة لصالح مفهوم الأمن الاقتصادي، حيث يبرز هذا المفهوم بقوة مع تعمق الأزمة وتقلب القرارات السياسية وعدم وضوح الرؤية العامة للحلول السياسية المطروحة ومدى نجاحها في احتواء الوضع.
الاقتصاد في هذا الوقت هو السلاح الأقوى في العلاقات الدولية، وقد أثبتت الأزمة الحالية ذلك، وتلعب العوامل الاقتصادية دورًا كبيرًا في تحديد مواقف الدول وبناء علاقاتها وإعادة تشكيل مواقفها؛ فالدبلوماسية الاقتصادية اليوم تتحرك في بيئة تستخدم فيها الأدوات الاقتصادية للضغط السياسي، وهو ما تصفه الأدبيات الحديثة بـ"الإكراه الاقتصادي"، هذه الاستراتيجية التي باتت تستخدمها الدول الكبرى اقتصاديًا لإخضاع الدول النامية وكسب مواقفها السياسية لدعم توجهاتها، لقد بات سلب الإرادة السياسية واضحًا خاصة لتلك الدول التي لم تحسن استثمار السياسة الخارجية بشكل صحيح، أو تلك الدول التي لا ترتكز على أساس قوي من التحالفات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وقراءة المشهد الاقتصادي في ظل الأزمة الحالية بشكل صحيح وعميق كفيل بالخروج من الأزمة بمكاسب كبيرة، أو عدم خسارة المكتسبات الاقتصادية المتحققة حاليًا، وقد تكون هناك فرصًا كبيرة أمامنا خاصة مع التزامنا بمبادئ القانون الدولي واحترامنا للاتفاقيات الدولية، وهذا ما يعزز الموثوقية الدولية التي تتمتع بها سلطنة عُمان، وهو ما يزيد من فرص التعاون الاقتصادي وبناء شراكات اقتصادية جديدة.
إنَّ الجهود التي يبذلها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- في هذا الجانب والزيارات الثنائية هي لاحتواء هذه الأزمة، وذلك من واقع إدراك أنَّ شعوب المنطقة هي الخاسر الأكبر في هذه الحرب، وأن ضرب اقتصاد المنطقة هو أحد الأهداف الاستراتيجية؛ بل هو الهدف الأساسي لهذا الصراع، ولذلك يجب أن تعي حكومات الدول أن السلام خيار قوي في هذه المرحلة، ووحده فقط من يمكنه وقف هذا المُخطط الخبيث.
