ريتّا دار
darrita936@gmail.com
هناك جملة يقولها الأهل بفخر شديد، وغالبًا بعد أن يرتكب ابنهم خطأً يستدعي اجتماعًا عائليًا طارئًا:
«والله لم نقصر معه في شيء.»
وهذه جملة خطيرة. لأن عبارة «لم نقصر في شيء» غالبًا ما تُقال قبل قائمة طويلة من الأشياء التي قصّرنا معه فيها، لكن بأفضل النيات طبعًا، وأفضل النيات كما نعرف تتمتع بحصانة عائلية شبه مطلقة.
وكلمة «شيء» هنا قد تشمل غرفة خاصة، وهاتفًا، وملابس، وطعامًا، ومدرسة جيدة، ومصروفًا، وربما اشتراكًا في نادٍ ترفيهي لم يذهب إليه الطفل منذ شهرين، لكنها لا تشمل بالضرورة الأشياء التي كان يحتاج إليها فعلًا.
وأعتقد أن جزءًا كبيرًا من الخلط يبدأ من هنا.
فنحن نخلط كثيرًا بين أن نرعى طفلًا، وأن نربّيه.
والفرق بينهما، على بساطته، يشبه الفرق بين أن تملك نبتة في المنزل، وأن تعرف فعلًا كيف تعتني بها. تستطيع أن تسقيها كل يوم، وتضعها في أغلى أصيص وجدته في المتجر، ثم تكتشف بعد شهر أنك أغرقتها بالماء وقتلتها بحسن نية.
وحسن النية، بالمناسبة، متهم رئيسي في كثير من الكوارث العائلية.
الرعاية أسهل نسبيًا. لأن لها أدلة مادية يمكن تقديمها أمام المحكمة: الطفل أمامكم، يرتدي ملابس، ويحمل حقيبة، ويبدو أنه تناول شيئًا خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية. ماذا تريدون أكثر من ذلك؟
هل نام؟ أغمض عينيه.
هل ارتدى سترته؟ بعد مطاردة قصيرة انتهت بانتصار السلطة الأبوية.
هل أكل الخضار؟ لا، لكنه نقلها من طرف الطبق إلى الطرف الآخر عدة مرات، ويمكن احتساب ذلك نشاطًا بدنيًا للخضار على الأقل.
هل وصل إلى المدرسة؟ وصل.
ممتاز. الطفل ما زال حيًا، ويمكن إغلاق ملف اليوم بنجاح.
أما التربية، فللأسف، ليس لديها جدول بهذه البساطة.
لأنك تستطيع أن تطعم طفلًا دون أن تعلمه الامتنان، وأن تشتري له كل ما يريد دون أن تعلمه قيمة الأشياء، وأن توصله إلى أفضل مدرسة في المدينة دون أن تعلمه كيف يحترم عامل النظافة عند بابها.
يمكنك أن تتأكد كل ليلة من أنه نام في سريره، دون أن تعرف ما الذي أبقاه مستيقظًا قبل أن ينام.
وهنا تصبح المسألة أكثر إزعاجًا.
لأن الرعاية يمكن قياسها بأشياء واضحة: وجبة، سرير، حقيبة مدرسية، موعد طبيب.
أما التربية، فنتائجها مؤجلة.
مؤجلة جدًا لدرجة أنك قد ترتكب الخطأ اليوم، ولا تصلك الفاتورة إلا بعد خمسة عشر عامًا.
والأسوأ أنها لا تصل باسمك.
تصل على شكل شاب لا يعرف كيف يسمع كلمة «لا»، أو شخص يعتقد أن الاعتذار إهانة لكرامته، أو بالغ ينتظر من العالم كله أن يعامله كما كانت أمه تعامله عندما كان في السادسة.
ثم نجلس جميعًا ونسأل باستغراب:«من أين تعلّم هذا؟»
وتبدأ التحقيقات فورًا: المدرسة، الأصدقاء، الهاتف، الإنترنت، ابن الجيران .. الجميع مشتبه بهم، باستثناء الأشخاص الذين يعيش معهم منذ ولادته، فهؤلاء لديهم حصانة دبلوماسية.
أنا لا أقلل من الرعاية طبعًا. إطعام طفل وإلباسه وحمايته ومتابعة صحته وتعليمه مسؤولية ضخمة، ويعرف ذلك كل شخص حاول يومًا إقناع طفل في الرابعة بأن الخضار ليست مؤامرة شخصية ضده.
لكن المشكلة تبدأ عندما نعتبر أن إنجاز هذه المسؤوليات يعني أننا انتهينا من التربية أيضًا.
كأن الطفل مشروع تسليم شقة.
المواصفات مطابقة، الأطراف سليمة، القراءة والكتابة تعملان بشكل مقبول، ونرجو عدم التواصل معنا بشأن أي أعطال تظهر بعد سن الثامنة عشرة.
سلّمناه إلى سن الرشد بصحة جيدة، وأسنان مقبولة، وشهادة مدرسية، إذن نرجو توقيع الاستلام هنا.
بينما الأشياء الأهم لا تظهر في الشهادة أصلًا.
لن يكتب أحد في كشف علاماته أنه تعلّم أن يخسر دون أن يحطم ما حوله.
لن تمنحه المدرسة خمس درجات إضافية لأنه عرف كيف يقول: «أنا آسف.»
ولن يحصل على مرتبة شرف لأنه أصبح قادرًا على الاختلاف مع إنسان دون أن يهينه.
مع أن هذه، في رأيي، من المواد التي سيُمتحن فيها طوال حياته.
والمشكلة أنها امتحانات مفاجئة أيضًا. لا جدول لها، ولا ملخصات، ولا طالب متفوق في الصف يمكن تصوير دفاتره ليلة الامتحان.
والطريف أننا أحيانًا نربّي الأطفال بالكلام، بينما هم يتعلموننا نحن ويتعلمون بالتقليد لا بالتلقين.
نقول للطفل: «لا تكذب.»
ثم يرن الهاتف فنهمس له: «قل له إنني نائم.»
فيكتشف الطفل مبكرًا أن الصدق قيمة عظيمة جدًا، باستثناء المكالمات التي لا نرغب في الرد عليها. والأجمل أن الطفل قد يأخذ المهمة بجدية زائدة ويقول للمتصل: «بابا يقول لك إنه نائم.» وهنا تكون قد نجحت في تعليمه الصدق، وإن كان بطريقة لم تكن ضمن الخطة.
نقول له: «لا تصرخ.» .. نقولها ونحن نصرخ.
نطلب منه أن يحترم الآخرين، ثم يسمعنا نهين سائقًا لأنه تأخر دقيقتين.
نخبره أن المال ليس أهم شيء في الحياة، ثم نقضي نصف أحاديثنا في تقييم الناس بحسب سياراتهم ورواتبهم ومنازلهم.
والطفل، مسكين، يحاول أن يفهم المنهج.
هل يدرس الكتاب أم ملاحظات الأستاذ؟
وفي النهاية يكتشف، كما اكتشفنا جميعًا في المدرسة، أن ملاحظات الأستاذ هي التي تأتي في الامتحان.
ربما لهذا السبب تبدو التربية مرهقة أكثر من الرعاية.
لأن الرعاية تطلب منك أن تفعل أشياء من أجل الطفل.
أما التربية فتطلب منك، في أحيان كثيرة، أن تفعل شيئًا أصعب بكثير: أن تنتبه إلى نفسك.
إلى الطريقة التي تغضب بها. إلى الطريقة التي تعتذر بها. إلى الطريقة التي تتحدث بها عن الآخرين عندما لا يكونون موجودين. إلى الطريقة التي تتعامل بها مع شخص لا تحتاج منه شيئًا.
فالطفل لا يجلس في زاوية الغرفة حاملًا دفترًا صغيرًا ويسجل ملاحظاته، لكنه يفعل شيئًا أخطر بكثير.
يراقب. ثم يقلّد. ثم يكبر.
وفجأة نرى بعض عاداتنا تمشي أمامنا على قدمين، ونغضب منها.
والأكثر استفزازًا أن أطفالنا يؤدونها أحيانًا بإتقان أفضل منا، وكأنهم نسخة مطوّرة من العيب نفسه.
وهذه واحدة من أكثر النكات قسوة في الأبوة والأمومة.
أن تقضي سنوات تقول لابنك: «لا تفعل ذلك»، ثم تكتشف أنه لم يكن يسمع ما تقول أصلًا .. كان يشاهد ما تفعل.
ولهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل وفّرنا لأطفالنا كل ما يحتاجونه؟
بل: ماذا تعلّموا منا وهم يحصلون عليه؟
لأن الطفل قد ينسى اللعبة التي اشتريتها له، وقد لا يتذكر لون غرفته الأولى، وربما لن يعرف أصلًا كم دفعت في مدرسته.
لكنه سيتذكر، بطريقة أو بأخرى، كيف كان يشعر عندما أخطأ.
هل كان يستطيع أن يخبرك بالحقيقة، أم كان يحتاج أولًا إلى محامٍ وشاهدَي دفاع؟
سيتذكر إن كان صوته مسموعًا، وإن كان الاعتذار موجودًا في البيت أم مطلوبًا من الصغار فقط، وإن كان الحب شيئًا ثابتًا أم مكافأة تُمنح مقابل حسن السلوك.
الرعاية مهمة لأنها تُبقي الطفل بخير.
أما التربية، فهي ما تحاول أن تجعل الإنسان الذي سيخرج من ذلك الطفل بخير أيضًا.
وبين الاثنين سنوات طويلة من الطعام، والملابس، والمدارس، والصداع، والأسئلة، والأبواب التي تُغلق بقوة، والجملة الأبدية: «عندما تكبر ستفهم.»
ثم يكبر.
وهنا فقط يبدأ الامتحان الحقيقي.
لأننا نكتشف أن الطفل الذي أمضينا سنوات نطعمه ونلبسه ونحميه، لم يكن مشروع طفل أصلًا.
كان مشروع إنسان.
ويا ليت أحدًا أخبرنا بذلك قبل أن ننشغل باختيار لون غرفته.
فليس كل طفلٍ حظي بكثير من الرعاية .. حظي بالقدر نفسه من التربية. وربما لهذا السبب، حين نصف أحدهم بأنه «قليل التربية»، علينا أحيانًا أن نتذكر أن التهمة لا تخصّه وحده.
