ظفار.. أرض الفرص

 

 

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

"الرزق عند تزاحم الأقدام"

لقد كانت مكة مُجرد وادٍ عندما جاء سيدنا إبراهيم عليه السلام بزوجته وابنه، ولكن عندما أمره الله تعالى ببناء البيت العتيق والأذان في الناس بالحج تغير حال هذا البلد العظيم، ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾، هذا التغيُّر جاء بعدما أصبحت مكة مأوى للعالمين، فكثر الناس وكثر الرزق وزاد الخير الذي أنعم الله به على مكة والمدينة المنورة وأهلها؛ فالله سبحانه وتعالى سخَّر لها أسباب الرزق والبركة والخير، وجعل لأهلها أبواب رزق كثيرة من خلال توافد الناس إليها.

هذه نِعَمٌ يسوقها الله تعالى لتكون أسبابًا للرزق والخير للعباد، وقد حبا الله تعالى بلادنا بنِعَمٍ عظيمة، فالبحر ينضح بجانبنا، والأرض الطيبة المباركة تخرج من بطنها خيرا وفيرا، وتنوُّع الحياة والمناخ الذي تتمتع به بلادنا وخاصة المناخ الاستثنائي لمحافظة ظفار، كل هذه نِعَم قسمها الله سبحانه وتعالى لهذا البلد، ولعل هذا المناخ بالذات هو أحد الأسباب التي تجعل الناس يفدون إلى بلادنا في فصل الصيف الحار، لينعموا بأجواء الخريف في ظفار الساحرة.

الخريف ليس مجرد موسم سياحي؛ بل هو فرصة تطويرية على كافة الأصعدة، وهو استثمار وطني يفتح آفاقًا جديدة من التنمية في جميع القطاعات، فمنظومة الطرق والمواصلات تعززت بشكل متسارع، والقطاع الخاص هو الآخر استفاد من الفرص المتاحة التي يقدمها هذا الموسم الاستثنائي، والنمو العقاري الذي شهدته المحافظة في السنوات الأخيرة هو أحد نتائج هذا الموسم، وحتى التعريف بالبلد كان له نصيب من مكاسب هذا الموسم السياحي.

لقد أشارت صحيفة "عرب تايمز" إلى أن حجم الإنفاق الذي أنفقه السياح في موسم خريف 2025 بلغ ما يقارب 325 مليون دولار أمريكي، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم خلال الموسم الجاري بالنظر إلى عديد الأسباب التي ترجح ذلك، وهذا مبلغ كبير جدًا يمكن أن يساهم في تحريك منظومة اقتصادية متكاملة مرتبطة بالقطاع السياحي. ولكن السؤال الأهم هو: كم استفاد الشباب والباحثون عن عمل ورواد الأعمال وأصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من هذا الموسم وهذا التدفق المالي؟

شهد هذا العام زيادة في أعداد الزائرين لموسم الخريف، حتى إن التقارير التي تصدر من محركات البحث تشير إلى حركة نشطة في البحث عن الفنادق والسيارات والمقاهي والمطاعم وأماكن الفعاليات في محافظة ظفار بشكل أكبر من الأعوام السابقة، كما رصدت نتائج حصر مرتادي محافظة ظفار أعداداً متزايدة من الزوار عبر البر والجو.

هذه المؤشرات والأرقام مهمة لإعادة النظر في كيفية استثمار محافظة ظفار كمُوَلِّد لفرص العمل والاستثمار، وبيئة جاذبة لريادة الأعمال وإنتاج المشاريع الإبداعية التي تسهم في جذب المزيد من السياح، وتقدم في نفس الوقت قيمة مضافة إلى موسم الخريف.

لا بُد أن نشاهد انخراط الشباب العُماني في القطاع العقاري، وهذا القطاع واعد جدًا وبه فرص استثمارية كبيرة والدليل ما نشاهده من ارتفاع مستمر في أرقام الإيجارات وحركة الأشغال في الفنادق والمنتجعات والشقق الفندقية والسكنية، وهذا الحراك الذي يشهده هذا القطاع جدير بالتفكير في كيفية الاستفادة منه وهناك سلسلة طويلة من الفرص الوظيفية والأعمال الحرة التي تخدم هذا القطاع بشكل مباشر.

أما في قطاع المطاعم والمقاهي؛ فهناك حراك لا بأس به لكنه يحتاج إلى عمل أكبر مما نشاهده الآن، فالتوسع والانتشار وتقديم الخدمات بطريقة مبتكرة هي عوامل تساهم في وجود بديل مناسب بدلًا مما نشاهده من سيطرة على هذا القطاع، كما إن قطاع الترفيه والفعاليات والمعارض كذلك به فرص واعدة يمكن أن يستغلها رواد الأعمال والشباب من خلال الدخول في هذا المجال، وفي هذه القطاعات مجال كبير للكسب، خاصة أننا بتنا نشاهدها تحت سيطرة الوافد بشكل شبه كامل.

أمَّا استثمار المواقع السياحية فهو مجال مولد لفرص عمل حقيقي ويُمكن النظر إليه باستدامة من خلال مشاريع قادرة على تلبية معايير الاستدامة، وهي فرصة لرواد الأعمال وأصحاب المؤسسات المتوسطة والصغيرة والصغرى، ويمكن أن تساهم في سلسلة مشاريع استثمارية من خلال تطوير الموقع وإقامة مشاريع سياحية وترفيهية، وتحويل هذه المناطق من موسم واحد نشط إلى نشاط اقتصادي مستدام خاصة وأن طبيعة ظفار ومناخها طوال العام يُساعد في ذلك كثيرًا إذا ما عرفنا كيف نستفيد من الفرص.

همسة

ما شاهدناه عبر مواقع التواصل الاجتماعي من نشاز لا يمُت إلى مجتمعنا العُماني المُحافِظ بأي صلة، هذا المجتمع الذي نشأ على القيم والأخلاق الأصيلة والتربية السليمة والتمسك بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وهو ناقوس خطر يدق في أذن التربية الأسرية والمؤسسات التعليمية والاجتماعية والثقافية لتقوم بدورها قبل فوات الأوان، فالله الله في أبنائكم حتى لا ينزلقوا وراء هذه الشرذمة المُنسلِخة عن الدين والقيم.

ولنا حديث في مقال منفصل بإذن الله.

الأكثر قراءة

z