التخريب الأيديولوجي.. بين شهادة بزمينوف ومواقع التواصل الاجتماعي

 

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

هل نعيش أزمة وسائل التواصل الاجتماعي، هل بتنا نمُر بأزمة في قدرتنا على المحافظة على قيمنا؟ هل استطاعت هذه الوسائل -التي كان من المفترض أن تكون بابًا للتقدم التكنولوجي- أن تُعيد صياغة منظومة القيم الأخلاقية المجتمعية؟ هل نشهد حالة انسلاخ قيمي وسلوكي في المجتمع بسبب هذه الوسائل التي باتت تشغل حيزًا كبيرًا من حياتنا اليومية؟ هل تخلت الأسرة والمدرسة والمسجد والمجتمع عن أدوارها التربوية لتفتح الطريق لهذه الوسائل لتقوم بدور التنشئة؟

يوري بزمينوف هو صحفي سوفييتي، هاجر إلى كندا، تحدث عن خطة مُمنهجة عُرفت بالتخريب الأيديولوجيّ للمجتمعات (Ideological Subversion)، وهي محاولات إضعاف منظومة فكرية أو قيمية أو ثقافية لمجتمع أو دولة من الداخل، تنطلق هذه المنهجية من أن إضعاف مجتمع ما يُمكن أن يتم تدريجيًا عبر التأثير في تصورات الناس وقيمهم ومؤسساتهم، بدلًا من مواجهته عسكريًا مباشرة، وبُنيت هذه الفكرة حول نزع المعنويات بين افراد المجتمع، وزعزعة الاستقرار بين المؤسسات والأفراد، ثم حدوث أزمة حقيقية داخل المجتمع وأخيرًا التطبيع وقبول الشكل الجديد للمجتمع.

لقد تحدث بزمينوف عن أن التغيير في المجتمع إذا أتبعت فيه هذه المنهجية لا يحتاج سوى ما بين 15 إلى 20 سنة حتى يحدث هذا الإضعاف، والأهم في فكرته أن المعركة تبدأ بالعقول قبل أن تصل إلى الشوارع. ولذلك ربط بين الإعلام والتعليم والثقافة والفكر وبين قدرة المجتمع على الحفاظ على مناعته الداخلية، لقد تحدث عن تصور ممنهج يضعضع المجتمعات من الداخل ويغير افكارها وقيمها، والاهم في هذا التصور هو ما تحدث فيه عن منهجية اسقاط القيم الدينية وازدراء العلماء وإسقاط القدوات وإضعاف التعليم.

يُدرك الغرب أن قوة هذه الأمة تتمثل في تمسكها بدينها وقيمها ومبادئها، وهي التمسك كان سببًا في تفوق هذه الأمة خلال قرون طويلة وهيمنتها على العالم، وكان سببًا في ريادتها وازدهارها، هذا الازدهار الذي جلب للعالم المعرفة والعلم والثقافة والفكر، كما حافظ على وحدة المجتمعات البشرية وأخلاقها وثقافتها ومبادئها، وصان كل شيء داخل إطار الالتزام والاحترام.

وبالعودة إلى ما نشاهده اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي، وبربط ذلك بهذه المنهجية التي استهدفت بنية المجتمعات الإنسانية، نرى بوضوح كيف أصبحت هذه المجتمعات الافتراضية مساهمة وبشكل كبير في التأثير على منظومة القيم المجتمعية، وكيف أنها باتت مصدرًا رئيسًا لدخول ثقافات غريبة إلى المجتمع، بل أنها أمست شريكًا في التنشئة؛ حيث تشارك مثل باقي المؤسسات في هذا الجانب، خاصة بعد تراجع دور هذه المؤسسات وغيابها عن أداء دورها بشكل سليم.

ما نشاهده في بعض تطبيقات التواصل الاجتماعي يمثل خطرًا حقيقيًا على الأجيال وخاصة ما يدور في (البثوث المباشرة) وما يُعرض فيها من مشاهد وما يُقال فيها من حديث خارج عن حدود الاحترام والآداب العامة، ومخالف للأعراف والقيم والعادات والتقاليد الاجتماعية. وهذا يمثل مشكلة حقيقية بالنسبة لنا جميعًا؛ فهذه المصادر غير قابلة للتحكم بها، وما يقدم خلالها قد لا يخضع للرقابة في كثير من الأحيان، ومن يستخدمونه ويقدمون فيه من محتوى العديد منهم لا يهتم إلا بكثرة المتابعين وعدد نقرات الإعجاب والاشتراكات.

لقد تم تداول مقاطع مرئية من أحد هذه التطبيقات وللأسف الشديد لم نتصور يومًا أن يكون هذا هو واقع الحال، فقد كانت مشاهد مقززة، وألفاظ بذيئة هابطة اضطررنا لسماعها وتداول الناس هذا المحتوى وهم في صدمة مما يشاهدوه. لقد انسلخ بعض مرتادي هذه البرامج من قيمهم وعاداتهم وتقاليدهم ليظهروا بهذا المظهر اللامبالي بحدود المجتمع وحرمة أفراده، رغم علمهم أن هناك من يتابع ويشاهد هذا السقوط القيمي والسلوك السيء.

لقد نجحت هذه التطبيقات في تقديم قدوات للمجتمع من النوع الذي لا يمتلك قيمة ولا مبدأ ولا فكرًا، وقدمتهم على أنهم صفوة المجتمع ونخبته، في حين ظلت القدوات الحقيقية بعيدة عن المشهد، ووصل الحال إلى أن أصبح الناس لا يحفلون بهم، بينما يتصارعون لحضور حدث لاحد المشاهير الفارغين والذي لا يقدم فيه أي محتوى سوى مشاهد التهريج والصراخ والسخرية.

مؤسفٌ أن يصل حال الامة إلى هذا المستوى من الخواء الفكري والانحدار القيمي عندما يُقدَّم هؤلاء على أنهم القدوات والمؤثرين وتكون لهم صدارة المشهد والحدث، هنا لا نتحدث عن اختلاف ذائقة؛ بل نتحدث عن أزمة عميقة ضربت سلوك المجتمع وقيمه وعاداته ومبادئه، هذه الأزمة التي تعيشها الأمة العربية والإسلامية؛ بل العالم أجمع منذ ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقاته.

إنَّنا بحاجة ماسة للعودة ومراجعة منظومة القيم ومراجعة منظومة التعليم والتنشئة، ومراجعة دور المسجد والأسرة والمدرسة والإعلام، وتجديد الأساليب التربوية لتتناسب مع جيل اليوم والتغيرات التي طرأت على فكر الشباب والأجيال، وعلينا أن نكون حذرين ومنتبهين لأبنائنا وهم يستخدمون هذه الوسائل والتطبيقات، والاهم من ذلك غرس القيم الإسلامية والتربية السليمة حتى نواجه هذا التحول المفزع الذي نعيشه.

الأكثر قراءة

z