صالح البلوشي
خرجنا من بغداد في السابعة صباحًا باتجاه مدينة كربلاء، وفي الطريق سألت مرافقنا مازحا: هل سنمر بطريق اللطيفية؟ فضحك السائق وقال: أعرف أنك تقصد "مثلث الموت" الذي كان مصدر رعب للعراقيين في سنوات الحرب على الإرهاب، ولكنَّ العراق تجاوز هذه المرحلة وجميع الطرق اليوم آمنة، حتى في الليل.
مررنا ببعض نقاط التفتيش، وحين يعلمون أننا من سلطنة عُمان يرحبون بنا ترحيبا كبيرا. كان الطريق جميلًا ويمر بالكثير من المزارع، ولقد مررنا ناحية المسيب في محافظة الحلة (بابل)، وتحديدا بجسر المسيب، الذي ارتبط بالأغنية العراقية التراثية الشهيرة "على جسر المسيب سيبوني"، التي غناها عدد من المطربين العراقيين، ومن أشهرهم ناظم الغزالي.
لسنوات طويلة ظل اسم كربلاء بالنسبة لي أكثر من مجرد اسم مدينة على خارطة العراق؛ فمنذ أن قرأت عن مأساة كربلاء ومصارع آل بيت رسول الله على أرضها في كتاب "عقيلة بني هاشم.. السيدة زينب" للدكتورة بنت الشاطئ -رحمها الله- كان الشوق إلى زيارتها والسلام على ساكنها وأهل بيته وأصحابه يتجدد كلما قرأت عن هذه المأساة.
وازداد هذا الشوق بعد أن قرأت مزيدًا من الكتب عن هذه الفاجعة، مثل كتاب "أبو الشهداء: الحسين بن علي" لعباس محمود العقاد، وكتاب "أبناء الرسول في كربلاء" للأستاذ خالد محمد خالد، وكتاب عبدالرحمن الشرقاوي المسرحي في جزأين: "الحسين ثائرًا" و"الحسين شهيدًا". وهذه الكتب وغيرها تؤكد أن هذه الحادثة والفاجعة الأليمة لا تخص طائفة بعينها وإنما تخص المُسلمين جميعًا، ولقد كتب عنها وعن الأحداث المأساوية التي رافقتها كتاب من مختلف الطوائف.
كذلك لا أنسى هنا البحث التاريخي الموسع للمؤرخ العراقي باقر شريف القرشي "حياة الإمام الحسين عليه السلام" في ثلاثة أجزاء.
وإذا كانت كربلاء تحتضن جسد الحسين -رضي الله عنه- فإنَّ القاهرة الفاطمية تحتضن رأسه المبارك، ويزوره المصريون خاصة في المناسبات الدينية، وكذلك تحتضن القاهرة جسد بطلة كربلاء السيدة زينب الكبرى عقيلة بني هاشم رضي الله عنها. وكنت دائمًا أقول في نفسي: أسأل الله أن يكتب لي يومًا أن أزور المدينة التي احتضنت هذه المعركة التاريخية التي تركت أثرًا عميقًا في التاريخ الإسلامي، لا أن أقرأ عنها في الكتب فقط أو أشاهدها عبر وسائل الإعلام.
وصلنا إلى مدينة الحسين في نحو الثامنة والنصف صباحا. كانت المدينة هادئة نسبيا؛ فنحن في النصف الثاني من شهر شعبان، ولا توجد مناسبة دينية كبيرة في هذه الأيام.
بمجرد وصولنا، شعرت أن بعض الأمنيات التي تحققت بعد سنوات من الانتظار تزداد حضورًا في القلب، وما أجمل أن تأتي اللحظة التي تتحول فيها الأمنية من مجرد حلم إلى ذكرى لا تُنسى.
عندما دخلنا كربلاء، استذكرنا تلك الحادثة التاريخية التي وقعت في العاشر من المحرم سنة 61 للهجرة، وتخيلنا الحسين -رضي الله عنه- مع أهل بيته وأصحابه في مواجهة جيش عرمرم، اختلف الرواة في عدده، لكنهم اتفقوا على أنه كان يفوقهم عددا بأضعاف كثيرة. فها هي كربلاء أمامنا وها هو الحر بن يزيد الرياحي نراه يترك صفوف جيش عمر بن سعد ويلتحق بالحسين، ثم يقاتل حتى يُقتل، ليخلد اسمه في ذاكرة كربلاء. وقد زرنا كذلك ضريحه.
مررنا أولًا بالعتبة العباسية المقدسة للسلام على أبي الفضل العباس بن علي بن أبي طالب، قمر بني هاشم، ثم زرنا العتبة الحسينية المقدسة للسلام على أبي عبدالله الحسين.
وعندما دخلنا إلى ضريح الحسين رضي الله عنه، تذكرت أبياتًا للشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري. ولعل كلمات الجواهري كانت أقرب ما يعبّر عن شعوري وأنا أدخل كربلاء للمرة الأولى:
شَمَمْتُ ثَرَاكَ فَهَبَّ النَّسِيمُ
نَسِيمُ الكَرَامَةِ مِنْ بَلْقَعِ
وَعَفَّرْتُ خَدِّي بِحَيْثُ اسْتَرَاحَ
خَدٌّ تَفَرَّى وَلَمْ يَضْرَعِ
خرجنا من العتبتين، لكن شيئًا من رهبة المكان ظل يرافقنا. أدركت يومها أن كربلاء التي عرفتها من خلال صفحات الكتب لم تعد مجرد حكاية أقرأ عنها، أو مدينة أتطلع إلى زيارتها؛ فقد أصبحت مكانًا رأيته بعيني، ومشيت في طرقاته، ووقفت عند أضرحة رجال ظلوا حاضرين في الذاكرة الإسلامية على امتداد القرون.
في كربلاء التقت صور قرأت عنها كثيرا في كتب أرباب المقاتل وسمعتها بصوت الشيخ عبد الزهراء الكعبي نهار كل عاشوراء بمشاهد رأيتها أمامي، وتحولت الأسماء والحكايات التي سكنت الذاكرة إلى أمكنة وخطوات ولحظات حقيقية.
غادرنا المكان لكن كربلاء لم تغادرنا، لتبقى في الذاكرة مدينة يمتزج فيها التاريخ بالحاضر والحزن بالوفاء والقراءة بالمشاهدة، لنحمل في وجداننا مزيجا من مشاعر الرهبة والسكينة، إذ إن في كربلاء تكتشف أن التاريخ ينبض بالحياة أمام عينيك.
غادرنا كربلاء لنبدأ رحلة جديدة في العراق نستكشف فيها جوانب من التاريخ والحضارة وحياة المجتمع.
