عصر وفرة المعرفة وندرة الحكمة

 

 

 

د. عارف بن خميس الفزاري**

إذا كان الاقتصاد القائم على المعرفة (Knowledge-based economy) قد رسّخ مكانة المعرفة بوصفها موردًا استراتيجيًا للإنتاج والنمو، فإن الذكاء الاصطناعي التوليدي يدفعنا نحو مرحلة جديدة يمكن وصفها بالوفرة المعرفي (Knowledge Abundance)، حيث لم يعد التحدي الرئيس هو ندرة المعلومات والمعرفة أو صعوبة الوصول إليهما، وإنما القدرة على التحقق منهما وانتقائهما وتفسيرهما وتوظيفهما بصورة مسؤولة وذات قيمة. ولفهم كيف وصلنا إلى هذه اللحظة من الوفرة المعرفية، لا بد من العودة قليلًا إلى الوراء، حين كانت معادلة المعرفة مختلفة تمامًا.

لم يكن الوصول إلى المعرفة في معظم التاريخ الإنساني أمرًا يسيرًا؛ فقد ارتبطت المعرفة بالكتاب والمكتبة والجامعة والخبير والمؤسسة، وكان الحصول عليها يتطلب وقتًا وجهدًا وموارد. لكن العقود الأخيرة قلبت هذه المعادلة تدريجيًا. فبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (1996)، كانت اقتصادات دول المنظمة تتجه نحو اعتماد متزايد على المعرفة والمعلومات، اللتين أصبحتا من المحركات الرئيسة للإنتاجية والنمو الاقتصادي، إذ قدّرت المنظمة آنذاك أن أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصادات الكبرى للمنظمة أصبح قائمًا على المعرفة، بالتزامن مع اتساع ترميز المعرفة وانتقالها عبر شبكات الحاسوب والاتصالات. والأهم أن المنظمة أشارت، منذ ذلك الوقت، إلى أن المعرفة والمعلومات تميلان إلى الوفرة، بينما تكمن الندرة في القدرة على استخدامهما بطرائق ذات معنى. وبعد ثلاثة عقود، تبدلت المعادلة بصورة أعمق؛ فلم يعد التحدي مقتصرًا على إنتاج المعرفة أو الوصول إليها، بل أصبح في التعامل مع تدفقها المتسارع وانتقاء ما هو موثوق ومفيد منها. ومع الإنترنت والمنصات الرقمية، ثم الذكاء الاصطناعي التوليدي، انتقلنا تدريجيًا من عالم كانت فيه المعلومة أكثر صعوبة في الوصول، إلى عالم تتوافر فيه المعرفة على نطاق غير مسبوق. وهكذا تغير السؤال من: أين نجد المعرفة؟ إلى: كيف نميز ما يستحق منها أن نعرفه، وأن نثق به، وأن نبني عليه قراراتنا؟

كان التحول الرقمي هو البداية. فقد أشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها المعنون بالاقتصاد القائم على المعرفة (1996) مبكرًا إلى أن المعرفة القابلة للترميز يمكن نقلها لمسافات بعيدة بتكاليف محدودة جدًا، وأن الشبكات الإلكترونية أخذت تربط طيفًا واسعًا من مصادر المعلومات، من الكتب والدوريات العلمية إلى الصور والتسجيلات وقواعد البيانات، بما يشبه مكتبة رقمية واسعة الإتاحة. والأهم أن المنظمة خلصت إلى أنه كلما أصبح الوصول إلى المعلومات أسهل وأقل تكلفة، ازدادت أهمية المهارات والكفاءات اللازمة لانتقائها واستخدامها بكفاءة.

وهكذا انتقلت القيمة تدريجيًا من مجرد امتلاك المعلومة إلى القدرة على استخدامها. فالوفرة المعرفية لا تعني أن المعرفة فقدت قيمتها، وإنما أن مصدر القيمة يتغير: من الجمع والتخزين والاسترجاع إلى الانتقاء والتحقق والتفسير والتطبيق. وما كان يحتاج سابقًا إلى البحث في عشرات المصادر أو الاستعانة بخبير، تستطيع الأدوات الرقمية اليوم اختصار جانب منه في دقائق.

ومع الذكاء الاصطناعي، دخل هذا التحول مرحلة أعمق. فبحسب المذكرة المفاهيمية لتقرير التنمية في العالم 2026 «الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية» الصادرة عن البنك الدولي، أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على تعزيز القدرات البشرية وخفض الحواجز أمام أداء بعض المهام المعرفية، فضلًا عن تسريع إنتاج الأفكار. ويشير البنك الدولي إلى أن الذكاء الاصطناعي يوسّع بسرعة قدرة البشرية على توليد أفكار جديدة. فالإنترنت وسّع الوصول إلى المعرفة، أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فأضاف تحولًا آخر، حين أصبح قادرًا على المشاركة في إنتاج المحتوى والتحليل وتوليد الأفكار.

لكن المفارقة أن وفرة المعرفة لا تنتج بالضرورة وفرة في الحكمة. فكلما تضاعفت كمية المعلومات المتاحة، ازدادت الحاجة إلى تحديد ما يستحق الانتباه وما ينبغي تجاهله. وهنا يضع تقرير اليونسكو العالمي لرصد التعليم (2023) يده على جوهر المشكلة، حين يشدد على ضرورة أن نأخذ المطلوب من المعلومات الوفيرة، ونتجاهل ما هو غير ضروري.

ففي زمن الندرة كانت المشكلة في العثور على المعلومة، أما في زمن الوفرة فالمشكلة في التمييز بين المهم والهامشي، وبين الموثوق والمضلل، وبين المعرفة القابلة للتطبيق والمحتوى الذي يزيد التشويش. فالبيانات ليست معلومات بالضرورة، والمعلومات لا تتحول تلقائيًا إلى معرفة، كما أن امتلاك المعرفة لا يقود حتمًا إلى الحكمة.

هذا التحول يعيد تعريف رأس المال البشري نفسه. فتقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن آفاق المهارات: بناء مهارات القرن الحادي والعشرين للجميع (2025) يوضح أن التصورات التقليدية للمهارات، التي ركزت على اكتساب المعرفة، كان عليها أن تتطور مع تقدم التقنية وتغير طبيعة العمل. ويربط مهارات القرن الحادي والعشرين بالقدرة على نقل المعرفة والتعامل مع المشكلات المعقدة والتكيف مع المواقف غير المتوقعة، ويضع القراءة والحساب وحل المشكلات التكيفي ضمن مهارات معالجة المعلومات الأساسية.

وهنا تظهر ندرة جديدة. فكلما ازدادت قدرة الآلة على البحث والتلخيص والتوليد، ارتفعت القيمة النسبية لقدرات إنسانية أخرى: التفكير النقدي، والتحقق، وفهم السياق، وحل المشكلات، والقدرة على الحكم على جودة المخرجات قبل تحويلها إلى أفعال وقرارات.

وعلى مستوى المؤسسات، تفرض الوفرة المعرفية تحولًا مماثلًا. فالمؤسسة الذكية ليست بالضرورة التي تجمع أكبر قدر من البيانات، وإنما التي تعرف ما تحتاج إليه منها، وتميز الموثوق من غيره، وتراجع ما ينتجه الذكاء الاصطناعي قبل أن يتحول إلى قرار. وهنا تبرز أهمية الإدارة الذكية للمعرفة؛ أي بناء الآليات والسياسات التي تساعد على انتقاء المعرفة والتحقق منها وفهم سياقها وتنظيم استخدامها بصورة مسؤولة. فالقيمة لم تعد في امتلاك أكبر قدر من المعلومات، بل في اختيار المعرفة المناسبة، في الوقت المناسب، وتوظيفها في القرار المناسب.

ولعل المفارقة الكبرى في عصرنا أن التقنية نجحت إلى حد كبير في معالجة مشكلة الوصول إلى المعلومات، لكنها بذلك كشفت عن مشكلة أصعب: ماذا نختار؟ ماذا نصدق؟ وكيف نتصرف بناءً على ما نعرف؟ ولذلك لن تكون الميزة المستقبلية لمن يمتلك معلومات أكثر فحسب، بل لمن يستطيع تحويل المعلومات إلى معرفة، والمعرفة إلى فهم، والفهم إلى قرار حكيم. لقد نجح الإنسان في جعل المعرفة أكثر وفرة، لكن التحدي المقبل هو أن يجعل استخدامها أكثر حكمة.

 

**باحث في المعرفة

الأكثر قراءة

z