د. عارف بن خميس الفزاري **
في عصر الثورة الصناعية الرابعة (4.0) لم تعد المعرفة موردًا مساعدًا إلى جانب رأس المال والعمل، بل أصبحت أحد أهم محركات الاقتصاد القائم على المعرفة (Knowledge-based-economy). فمستقبل التنمية لم يعد يتحدد فقط بما تمتلكه الدول من موارد، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة ونقلها واستيعابها وتوظيفها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية. ومع تسارع الذّكاء الاصطناعيّ والتحول الرقمي تزداد أهمية السؤال عن كيفية قياس هذا المورد غير الملموس ومدى قدرة الدول على تحويله إلى إنتاج وثروة وتنمية. ومن هنا يبرز في سياق رؤية عُمان 2040، سؤال يستحق النقاش: هل تحتاج سلطنة عُمان إلى مؤشر وطني للمعرفة؟
تعود إحدى المحطات التأسيسية في قياس اقتصاد المعرفة إلى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (1996) في ورقة سياسات تحليلية بعنوان "الاقتصاد القائم على المعرفة"، وعرّفت فيها الاقتصاد القائم على المعرفة بأنه الاقتصاد الذي يعتمد مباشرة على إنتاج المعرفة والمعلومات وتوزيعهما واستخدامهما. ولم تقدم المنظمة آنذاك مؤشرًا مركبًا واحدًا، وإنما طرحت إطارًا للقياس يشمل مدخلات المعرفة ومخزونها وتدفقاتها ومخرجاتها وشبكاتها والتعلم، مستفيدة من مؤشرات البحث والتطوير (R&D) والموارد البشرية العلمية والتكنولوجية والبراءات والابتكار. وكان ذلك اعترافًا مبكرًا بأنَّ قياس المعرفة أكثر تعقيدًا من قياس الموارد الاقتصادية التقليدية.
وانتقل القياس لاحقًا إلى مرحلة أكثر تركيبًا، إذ قدمت ورقة عمل بحثية صادرة عن البنك الدولي في عام 2006 بعنوان "اقتصاد المعرفة، ومنهجية تقييم المعرفة، وعمليات البنك الدولي" إطارًا لقياس مدى استعداد الدول للاقتصاد القائم على المعرفة من خلال منهجية تقييم المعرفة. التي انطلقت من تصور للاقتصاد المعرفي بوصفه اقتصادًا تكون فيه المعرفة محركًا رئيسًا للنمو وتُكتسب وتُنتج وتُنشر وتُستخدم بفاعلية لتحقيق التنمية. وقامت المنهجية على أربع ركائز: النظام الاقتصادي والمؤسسي والتعليم والمهارات ونظام الابتكار والبنية الأساسية للمعلومات والاتصالات. ومن هنا ظهر التمييز بين مؤشر المعرفة (Knowledge-Index ) الذي يركز على التعليم والابتكار وتقنية المعلومات والاتصالات، ومؤشر اقتصاد المعرفة (Knowledge-Economy-Index) الذي يضيف البيئة الاقتصادية والمؤسسية.
ومع تطور التجارب والممارسات الدولية أصبحت منهجيات القياس أكثر شمولًا. وقدمت المفوضية الأوروبية، من خلال تقرير مؤشرات الابتكار الأوروبية (European Innovation Scoreboard 2026)، نموذجًا متقدمًا لبناء المؤشرات المركبة؛ إذ يتكون إطار القياس في نسخته لعام 2026 من 32 مؤشرًا موزعة على 12 بُعدًا وأربع مجموعات رئيسة، وهو ليس مؤشرًا للمعرفة بالمعنى المباشر لكنه يبين كيف يمكن تحويل منظومة من التعليم والبحث والرقمنة والابتكار والاستثمار والمخرجات إلى أداة للمقارنة وتوجيه السياسات.
أما مؤشر المعرفة العالمي(GKI)، الذي يصدر عن برنامج الأمم المتحدة، فقد وسع نطاق القياس. ففي نسخته لعام 2025 يقوم على ستة مؤشرات فرعية رئيسة: التعليم قبل الجامعي؛ والتعليم التقني والتدريب المهني والتعليم العالي؛ والبحث والتطوير والابتكار؛ وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛ والاقتصاد؛ والبيئة والمجتمع والحوكمة. ويضم المؤشر 115 متغيرًا مستمدة من 40 مصدرًا وقاعدة بيانات دولية، بما يُوفر قراءة مركبة لأداء المنظومة المعرفية للدولة.
ومن الناحية المنهجية، يقوم المؤشر على بناء هرمي يبدأ بـ 115 متغيرًا، تنتظم في محاور فرعية ثم 18 محورًا رئيسًا، وصولًا إلى ستة مؤشرات فرعية تُركّب في مؤشر نهائي واحد تتراوح قيمته بين صفر و100. وبذلك لا ينظر إلى المعرفة باعتبارها نتيجة تعليمية أو تقنية منفردة، وإنما يقيس بصورة مركبة قدرة المنظومة الوطنية على إنتاج المعرفة ونشرها واستخدامها وتحويلها إلى نتائج اقتصادية واجتماعية وتنموية.
وتكشف التجارب الدولية أنَّ بناء اقتصاد قائم على المعرفة لا يخضع لنموذج واحد. فقد قارنت دراسة Parcero & Ryan )2024) بعنوان "التحول إلى اقتصاد قائم على المعرفة: حالة قطر والإمارات العربية المتحدة و17 دولة معيارية" تجربتي قطر والإمارات بـ17 دولة معيارية، بينها فنلندا وسنغافورة وكوريا الجنوبية والنرويج وأستراليا، كما أدرجت سلطنة عُمان ضمن الدول المرجعية للمقارنة. والدلالة هنا أنَّ التحول إلى اقتصاد المعرفة لا يعني استنساخ تجربة دولة بعينها، وإنما بناء منظومة قياس تتلاءم مع بنية الاقتصاد والأولويات والموارد الوطنية.
وفي السياق العُماني، توجد مكونات منظومة المعرفة بالفعل في الخطط والبرامج الوطنية، وتتوزع بين قطاعات وبرامج ومؤشرات مختلفة. فالخطة الخمسية العاشرة (2021–2025)، باعتبارها الخطة التنفيذية الأولى لرؤية عُمان 2040، تضمنت ضمن أهدافها الاستراتيجية الوصول إلى منظومة وطنية للبحث العلمي والإبداع تسهم في بناء اقتصاد قائم على المعرفة، وربطت ذلك بالتعليم والقدرات الوطنية والبحث والابتكار والشراكة بين المؤسسات البحثية والقطاعات الاقتصادية.
أما الخطة الخمسية الحادية عشرة (2026–2030)، وهي الخطة التنفيذية الثانية لرؤية عُمان 2040، فتعزز التوجه نحو اقتصاد أكثر اعتمادًا على المعرفة؛ إذ أصبح الاقتصاد الرقمي قطاعًا اقتصاديًا رئيسًا، وتستهدف الخطة رفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة من 3.3% عام 2026 إلى 5% عام 2030، بمتوسط نمو يبلغ نحو 10.8% خلال سنوات الخطة. كما يرتبط البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي بالحكومة الرقمية ورقمنة الأعمال والمجتمع الرقمي، وصولًا إلى مستهدف مساهمة الاقتصاد الرقمي بنسبة 10% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2040. ولا تقتصر عناصر المعرفة في خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة (2026–2030) على الاقتصاد الرقمي؛ بل تمتد إلى التعليم والبحث العلمي والابتكار والمهارات والذكاء الاصطناعي والحكومة الإلكترونية والبيانات والحوكمة.
وفي ضوء ذلك، تمتلك سلطنة عُمان مؤشرات متعددة مرتبطة بالمعرفة، لكنها موزعة بين قطاعات ومنظومات مختلفة. فهناك مؤشرات للتعليم وأخرى للبحث والابتكار والرقمنة والمهارات والاقتصاد والحوكمة، لكن الخطتين اللتين جرى تحليلهما لا تعرضان مؤشرًا وطنيًا مركبًا واحدًا يقيس المعرفة عبر القطاعات ويرصد قدرتها على الانتقال من التعليم والبحث إلى الابتكار والإنتاج والقيمة الاقتصادية والاجتماعية.
والتحدي، بالتالي، ليس في اتساع الحراك المعرفي والرقمي وحده، وإنما في تحويل هذا الحراك إلى إنتاج معرفي مؤسسي مستدام قادر على خلق الثروة، وتوليد الوظائف النوعية، ورفع الإنتاجية وتحسين نوعية الحياة. وهنا تبرز أهمية القياس؛ فما لا يقاس بصورة مترابطة يصعب تحديد أثره الحقيقي أو توجيه سياساته بكفاءة.
لذلك، قد لا تكون الحاجة إلى إضافة مؤشر جديد إلى قائمة المؤشرات، بقدر ما هي حاجة إلى بناء منظومة وطنية متكاملة لقياس المعرفة، تستثمر البيانات والمؤشرات الموجودة، وتربط بينها ضمن إطار منهجي وأبعاد واضحة، وتحدد خطوط الأساس والمستهدفات والأوزان، وتنتج قراءة دورية يمكن تفكيكها قطاعيًا ومؤسسيًا، وربما مكانيًا على مستوى المحافظات. ويمكن لهذه المنظومة أن تستفيد من التجارب والممارسات الدولية ومؤشر المعرفة العالمي.
إنَّ مؤشر المعرفة ليس مجرد ترتيب للدول، بل أداة لقياس مدى اكتمال المنظومة التي تحول التعليم والمهارات والبحث والابتكار والتقنية إلى قيمة اقتصادية وتنموية. ومن هنا فإنَّ السؤال الأهم ليس فقط: أين نقف في المؤشرات الدولية؟ وإنما: إلى أي مدى تتحول استثماراتنا في التعليم والبحث والابتكار والتقنية والمهارات والبيانات إلى معرفة منتجة وثروة وتنمية مستدامة؟ عندها يمكن أن يصبح المؤشر الوطني للمعرفة أداة لقياس مسار التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة.
** باحث في المعرفة
