إدارة المعرفة: رافعة استراتيجية للمؤسسات

 

 

د. عارف بن خميس الفزاري**

مجال إدارة المعرفة (Knowledge-management) ظهر نتيجة لعدة تحولات تقنية في أواخر القرن العشرين من أهمها: تقنية المعلومات والإنترنت والابتكار والتعلُّم المستمر والتعلُّم الإلكتروني وغيرها في المؤسسات. عرفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (2004) إدارة المعرفة بأنها تشمل أي نشاط يتعلق بجمع واستخدام ومشاركة وحفظ واسترجاع ونشر المعرفة في المؤسسات، وتؤثر هذه الممارسات على الابتكار وأداء المؤسسات. وتتطلب إدارة المعرفة وجود ثلاثة عناصر رئيسة تتمثل في البُنى التقنية الأساسية المتقدمة ورأس المال الفكري والثقافة التنظيمية.

فإدارة المعرفة تُعد من المفاهيم الرئيسة التي اكتسبت أهمية متزايدة في إدارة المؤسسات في العصر الحديث. ويجمع هذا النهج الإداري بين التقنيات والاستراتيجيات التي تُساعد المؤسسات على الاستفادة المُثلى من المعرفة المتاحة لديها، وتحويلها إلى أداةٍ رافعةٍ لتحسين أدائها المؤسسي. وبسبب التحولات التقنية، أصبح بإمكان المؤسسات جمع وتخزين كميات ضخمة من البيانات والمعلومات والخبرات والأفكار والممارسات في منظومةٍ معرفيةٍ مُهيكلة، مما يُعزز دور إدارة المعرفة في توجيه القرارات والتخطيط التنموي المبني على المعرفة. وتبرز أهمية إدارة المعرفة فيما تشكله من قيمة فكريةٍ مُضافة للمؤسسات والتحول إلى الاقتصاد القائم على المعرفة الذي يرتكز على أربعة مرتكزات رئيسة تتجسد في; رأس المال الفكري والبُنى الأساسية التقنية المتقدمة ونظام ابتكار فعّال ونظام اقتصادي ومؤسسي محوكم، وفقًا لمعهد البنك الدولي (2006).

وفي خضم هذه التحولات وازدياد أهمية إدارة المعرفة في المؤسسات صنف الباحثان نوناكا وتاكيوتشي (1995) المعرفة إلى نوعين رئيسين هما معرفة ضمنية ومعرفة صريحة; فالمعرفة الضمنية (Tacit-Knowledge) تتضمن المعارف غير الملموسة في المؤسسات، مثل المهارات والممارسات التنظيمية والخبرات المتراكمة في المؤسسات وفي عقول الأفراد، وتُقدَّر نسبتها بنحو 95% من إجمالي المعرفة. والنوع الثاني يطلق عليه المعرفة الصريحة(Explicit-Knowledge)، وهي معرفة مُهيكلة ومُوثّقة يمكن تسجيلها وتخزينها ونقلها في قواعد بيانات، مثل المعلومات والوثائق والسجلات والملفات، وتُقدَّر نسبتها بنحو 5٪ فقط من إجمالي المعرفة. ويسهل على المؤسسات والأفراد استرجاعها وإعادة استخدامها وانتاج معارف جديدة عليها. ويؤكد المفكر والفيلسوف الإداري بيتر دراكر (1993) بأنّ المعرفة أصبحت المورد الاقتصادي الأكثر أهمية، متجاوزة في قيمتها رأس المال التقليدي والموارد الطبيعية، فالمعرفة هي أصول غير ملموسة تزداد قيمتها مع الاستخدام، بخلاف الأصول الملموسة التي تتناقص قيمتها مع الاستهلاك.

ومن الممارسات الدولية التي تؤكد أهمية المعرفة كأصول فكرية للمؤسسات، ارتفاع الأصول غير الملموسة لشركة ستاندرد آند بورز العالمية خلال الخمسين عامًا المنصرمة، من 17% عام 1975م إلى 92% عام 2025م، في حين تراجعت الأصول الملموسة في الشركة من 83% عام 1975م إلى 8% فقط عام 2025م بحسب دراسة Ocean Tomo (2025)، مما يؤكد تصاعد أهمية الأصول غير الملموسة في نمو المؤسسات والتنافسية والاستدامة، ويجسد ذلك أهمية المعرفة والابتكار ورأس المال الفكري لتحقيق الاقتصاد القائم على المعرفة.

ومن الدول الرائدة في تطبيق إدارة المعرفة في المؤسسات العامة; اليابان والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول المُتقدمة، حيث ركزت اليابان على التعلُّم المستمر في المؤسسات وتنمية رأس المال الفكري وتحويل المعرفة الضمنية إلى معرفة صريحة. أما الولايات المتحدة الأمريكية فتعتبر من أوائل الدول عالميًا التي طبقت إدارة المعرفة في المؤسسات العامة والخاصة لتعزيز الاقتصاد القائم على المعرفة.

في السياق المحلي، تَضَمّن التوجه الاستراتيجي لأولوية التنويع الاقتصادي والاستدامة المالية: تحقيق اقتصاد متنوع ومستدام قائم على المعرفة، أطره متكاملة وتنافسيته متحققة، مستوعب للثورات الصناعية ويحقق الاستدامة المالية. كما ترتبط إدارة المعرفة مع أولوية حوكمة الجهاز الإداري للدولة والموارد والمشاريع، حيث أن تطبيق إدارة المعرفة في مؤسسات القطاع العام يؤدي إلى رفع أداء المؤسسات وتعزيز الثقافة التنظيمية القائمة على البيانات والمعلومات المتكاملة.

ومع التحولات التقنية والاقتصادية والإدارية، تبرز أهمية تطبيق إدارة المعرفة في المؤسسات للمواكبة والتكيّف مع تلك التحولات وتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية مُضافة للمؤسسات. لذلك يتطلب من المؤسسات تأطير المعرفة وهيكلتها في منظومات معرفية تتدفق بين الأقسام والوحدات داخل المؤسسة لتتكامل مع المؤسسات الأخرى وفق منظومة معرفية متكاملة، تؤدي إلى تقديم حلول استباقية للمستفيدين والتغلب على التحديات البيروقراطية وثقافة الصوامع التنظيمية المنعزلة(Business-Silos) بين المؤسسات لرفع كفاءتها وحوكمتها. كما يُمكن أن تُسهم إدارة المعرفة في ترسيخ ثقافة الوصول إلى المعلومات والاستفادة من الممارسات والخبرات والأصول المعرفية، الأمر الذي يتطلب من المؤسسات الاستثمار في تطوير أصولها الفكرية وحمايتها لتعزيز قيمتها التنافسية ورفع كفاءتها.

ولتطبيق إدارة المعرفة في المؤسسات يتطلب وضع سياسات وأطر تنظيمية داعمة كمنهج عمل إداري وتقني معًا تُطبّق في كافة المؤسسات وفق أفضل الممارسات المتبعة في إدارة المعرفة، وجعل الاستثمار في رأس المال الفكري على رأس أولويات برامج الخطط الخمسية التنموية. فإدارة المعرفة لم تعد خيارًا تقنياً فحسب وإنما أصبحت رافعة استراتيجية للمؤسسات تُسهم في تحقيق جهاز إداري مرن مبدع ومبتكر وتعزز اتخاذ قرارات حكيمة مبنية على المعرفة والبيانات، من شأنها تحقيق مستهدفات أولويات رؤية عُمان 2040.

باحث في المعرفة**

 

الأكثر قراءة

z