حمود بن علي الطوقي
هناك قضايا أؤمن بأنها لا ترتبط بالأرقام وحدها، وإنما ترتبط بالقيم التي يقوم عليها المجتمع، ومن أبرزها قضية كبار السن؛ ذلك الجيل المؤسس الذي صنع اللبنات الأولى لهذا الوطن، وتحمَّل مشقة الحياة في ظروف لم تكن سهلة، وأسهم بعطائه في بناء المؤسسات وترسيخ دعائم النهضة، حتى أصبحت عُمان اليوم تنعم بما وصلت إليه من استقرار وتنمية.
ولذلك، كنت وما زلت أخصص بين الحين والآخر مقالات صحفية للدفاع عن حقوق كبار السن، إيمانًا مني بأن الوفاء لهم ليس خيارًا، بل واجب وطني وأخلاقي.
وقد استقبل المجتمع العُماني المكرمة السامية التي خصصها صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- الخاصة بحزمة المنافع الاجتماعية للمواطنين بمختلف أعمارهم وشرائحهم بارتياح كبير، لما حملته من اهتمام سامٍ بمختلف فئات المجتمع، وهو نهج كريم يعكس حرص القيادة على تعزيز الحماية الاجتماعية وتحقيق العدالة الاجتماعية بين المواطنين.
ومن بين الأفكار التي طرحتها منذ سنوات دعوتي إلى تخصيص بطاقة ذهبية لكبار السن، وهي بطاقة أراها مستحقة قبل أن تكون امتيازًا، تمنح هذه الفئة مجموعة من المزايا في الخدمات الحكومية والصحية والتجارية والترفيهية، تقديرًا لما قدموه للوطن طوال سنوات عطائهم.
وأذكر أن هذه الفكرة وجدت اهتمامًا من صندوق الحماية الاجتماعية؛ حيث دُعيت إلى مناقشتها مع المختصين، كما طرحتها خلال ملتقى "معًا نتقدم"، وهو ما يعكس انفتاح المؤسسات على الاستماع إلى الآراء والمقترحات المجتمعية.
وعندما أعلن صندوق الحماية الاجتماعية تعديل ضوابط منفعة كبار السن، بحيث أصبحت تُصرف لمن لا يزيد راتبه التقاعدي على 1020 ريالًا عُمانيًا، مع إلغاء القرار السابق، رأيت أن من واجبي نقل تساؤلات شريحة واسعة من المتقاعدين الذين شعروا بالقلق من هذا التغيير.
ولهذا وجهت نداءً إلى صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، في ملتقى "معًا نتقدم" بنسخته الماضية، راجيًا إعادة النظر في القرار، وقد أحال سموه، مشكورًا، الموضوع إلى معالي المهندس سالم بن ناصر العوفي، رئيس مجلس إدارة صندوق الحماية الاجتماعية، الذي أوضح مبررات هذا الإجراء وأسبابه، في خطوة تعكس احترام مؤسسات الدولة للتواصل مع المواطنين والاستماع إلى تساؤلاتهم.
إلّا أن ما يثير القلق أن كبار السن أصبحوا، بين الحين والآخر، يتابعون منشورات وقرارات تتعلق بالمنافع الاجتماعية، ويشعر كثير منهم أن هذه التغييرات تمس استقرارهم المعيشي بصورة مباشرة، وهو ما انعكس في حالة من التذمر عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث علت أصوات تطالب بالحفاظ على حقوق هذه الفئة واحترام مكانتها.
لقد سبق أن كتبت بأن منفعة كبار السن، والبالغة 115 ريالًا، ليست مجرد مبلغ مالي، وإنما تمثل بالنسبة للكثيرين وسيلة لمواجهة تكاليف العلاج، وارتفاع الأسعار، ومتطلبات الحياة اليومية التي تزداد مع التقدم في العمر. وقد لا يغيّر هذا المبلغ حياة البعض، لكنه بالنسبة لآخرين يصنع فارقًا حقيقيًا في معيشتهم.
وهنا يبرز سؤال مشروع يستحق التأمل: لماذا يكون كبار السن أول من يشعر بالقلق عند مراجعة بعض المنافع؟ وكيف تُبنى هذه القرارات؟ وهل تُناقش بما يكفي مع الجهات الرقابية والتشريعية؟ وهل تُدرس آثارها الاجتماعية والنفسية قبل اعتمادها؟
إن المحافظة على الاستدامة المالية هدف وطني لا يختلف عليه اثنان، لكن تحقيقها يجب ألّا يكون على حساب الطمأنينة النفسية للجيل الذي أفنى عمره في خدمة الوطن. فهناك ملفات تستحق أن تُدار بحس إنساني عالٍ، وفي مقدمتها كل ما يتعلق بكبار السن.
إن هذه الفئة لا تنتظر امتيازات استثنائية، بقدر ما تنتظر رسالة وفاء من وطنها، تشعرها بأن سنوات العطاء لم تُنسَ، وأن المجتمع لا يزال يبادلها التقدير بالعرفان.
وفي الختام، فإنني أناشد الجهات المعنية، وعلى رأسها وزارة المالية وصندوق الحماية الاجتماعية، بأن تضع منفعة كبار السن في مقدمة الأولويات عند مراجعة أي سياسات مستقبلية، وأن تُصاغ القرارات المتعلقة بهم بروح الوفاء قبل لغة الأرقام؛ فهؤلاء هم الجيل الذي بنى الوطن، وربّى الأجيال، وحمل مسؤولياته في أصعب الظروف، ومن حقهم أن يعيشوا ما تبقى من أعمارهم بكرامة وطمأنينة واستقرار.
إن احترام كبار السن ليس قيمة اجتماعية فحسب، بل هو مقياس لتحضر المجتمعات. والأوطان العظيمة لا تُعرف فقط بما تبنيه للمستقبل، وإنما أيضًا بمدى وفائها لمن صنعوا لها الماضي.
فالوفاء الحقيقي أن نصون كرامتهم حين يتقدم بهم العمر، وأن نجعل راحتهم أولوية، فهم جذور هذا الوطن، وما كانت الأشجار لتسمو لولا جذورها؛ فلا تعكروا صفو من بنوا الوطن بقرارات صادمة؛ إنهم يستحقون التقدير والوفاء.
