الترابط الأُسري في الثقافة الكونفوشيوسية من روافع التنمية في الصين

 

 

 

 

د. خالد بن سالم السعيدي **

عندما يتأمَّل الباحث تجربة التنمية في جمهورية الصين الشعبية الصديقة، قد يتَّجِه اهتمامه أولًا إلى المصانع العملاقة، والتقدم التكنولوجي، وشبكات البنية الأساسية، إلّا أن قراءة أعمق للتجربة تكشف أن أحد أهم مرتكزاتها يكمن في الإنسان، وفي المؤسسة الأولى التي تصنعه: الأُسْرَة.

ففي الثقافة الصينية، التي تشكَّلت عبر قرون طويلة تحت تأثير الفلسفة الكونفوشيوسية، لا تُعد الأسرة مجرد إطار اجتماعي يجمع أفرادًا تربطهم صلة الدم، بل هي المؤسسة التي تُبنى فيها الشخصية، وتُغرس فيها قيم المسؤولية والانضباط واحترام النظام والعمل الجماعي. وقد انعكست هذه المنظومة القيمية على المجتمع بأكمله، لتصبح أحد العوامل الثقافية التي هيأت البيئة المناسبة لتحقيق التنمية.

وتقوم الفلسفة الكونفوشيوسية على مبدأ أن استقرار الدولة يبدأ باستقرار الأسرة، وأن الفرد الصالح هو ثمرة تربية أسرية تقوم على البر بالوالدين، واحترام الأكبر سنًا، والوفاء بالواجبات، والالتزام بالأخلاق، وهي قيم لا تنحصر داخل المنزل؛ بل تمتد إلى المدرسة، ومكان العمل، ومؤسسات الدولة. ومن هذا المنطلق، يصبح الانضباط المهني، واحترام القانون، والإخلاص في أداء الواجب امتدادًا طبيعيًا للتربية الأسرية.

ولم يكن من قبيل المصادفة أن تحرص الصين، مع انطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، على الاستثمار المُكثَّف في التعليم وتنمية الموارد البشرية، مُستفيدةً من ثقافة اجتماعية تمنح العلم مكانة رفيعة، وتعتبر نجاح الأبناء مسؤولية جماعية للأسرة بأكملها. وقد أسهم هذا التوجه في تكوين قوة عاملة تتميز بالانضباط، والقدرة على التعلم، والاستعداد للتكيف مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.

كما عزَّز الترابط الأسري ثقافة الادخار، التي تُعد إحدى السمات البارزة في المجتمع الصيني، حيث تنظر الأسرة إلى الادخار باعتباره وسيلة لتأمين المستقبل، وتمويل التعليم، ودعم المشروعات، ومواجهة الأزمات. وقد وفر ذلك، إلى جانب السياسات الاقتصادية، قاعدة مهمة لزيادة الاستثمارات وتحفيز النمو.

وفي المقابل، أسهمت العلاقات الأسرية المتماسكة في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، من خلال التكافل بين الأجيال، ورعاية كبار السن، وتقديم الدعم النفسي والمادي داخل الأسرة، وهو ما خفف من كثير من الأعباء الاجتماعية، وعزز قدرة المجتمع على التكيف مع التحولات الاقتصادية المتسارعة.

وتحت قيادة الرئيس شي جينبينغ، تمضي الصين قُدمًا في مسيرة التحديث الصيني النمط في الوقت الحالي، وتستحق تجربة الصين في الحكم والإدارة الاستفادة منها. ومع ذلك، فإن التجربة الصينية لم تتوقف عند حدود المحافظة على الإرث الثقافي، بل سعت إلى توظيفه بما ينسجم مع متطلبات العصر. فبينما حافظت على القيم الكونفوشيوسية المتعلقة بالأُسرة والانضباط واحترام التعليم، تبنَّت في الوقت نفسه سياسات اقتصادية حديثة، وانفتحت على التجارة العالمية، واستثمرت في التكنولوجيا والابتكار. ومن هنا، فإن النجاح الصيني لا يمكن تفسيره بالثقافة وحدها، ولا بالاقتصاد وحده، وإنما بالتكامل بين منظومة القيم والسياسات العامة والإدارة الفاعلة.

واليوم، ورغم ما تواجهه الأسرة الصينية من تحديات ناجمة عن التحضر السريع، وتغيُّر البنية الديموغرافية، وارتفاع تكاليف المعيشة، فإنها لا تزال تؤدي دورًا محوريًا في الحفاظ على التماسك الاجتماعي، وإعداد أجيال قادرة على مواصلة مسيرة التنمية.

وتؤكِّد التجربة الصينية أن التنمية ليست مجرد أرقام للنمو الاقتصادي أو معدلات للإنتاج، بل هي مشروع حضاري يبدأ من بناء الإنسان. وعندما تكون الأسرة حاضنة للقيم، والتعليم أولوية، والانضباط ثقافة، يصبح المجتمع أكثر قدرة على تحقيق التنمية المستدامة. ومن هذا المنظور، يمكن القول إنَّ الترابط الأسري في الثقافة الكونفوشيوسية لم يكن مجرد قيمة اجتماعية موروثة؛ بل تحوُّل إلى رصيد حضاري أسهم، إلى جانب الإصلاحات الاقتصادية والسياسات التنموية، في صنع واحدة من أبرز تجارب النهضة في العصر الحديث.

** رئيس مجلس إدارة جمعية الصداقة العُمانية الصينية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z