عبدالنبي الشعلة
بعد ما يقرب من نصف قرن على قيام الثورة الإيرانية، تبدو التطورات التي تشهدها إيران والمنطقة، وكأنها تفرض مراجعة هادئة لتجربة سياسية امتدت آثارها إلى عدد من الدول العربية، وأعادت تشكيل كثير من التوازنات داخلها. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: من انتصر ومن خسر في جولة سياسية أو عسكرية، وإنما: ماذا كانت الحصيلة الفعلية للمشروع الذي رفع شعار الدفاع عن المستضعفين ونصرة الشيعة في المنطقة؟
إن الشعب الإيراني نفسه، وهو بغالبيته الساحقة من الشيعة، يدفع اليوم ثمن سياسات أدخلت البلاد في دوامة طويلة من العزلة والعقوبات والمواجهات العسكرية، واستنزفت مواردها في مشاريع خارج حدودها، بينما ظل المواطن الإيراني الشيعي يواجه ضغوطًا اقتصادية ومعيشية متزايدة، واتسعت رقعة الفقر وتراجعت فرص التنمية.
ولا يقف هذا الاستنتاج عند حدود التحليل السياسي، بل تؤيده أيضًا أحدث المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الصادرة عن مؤسسات دولية معتبرة.
فوفق أحدث بيانات البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لا يتجاوز نصيب الفرد من الدخل القومي في إيران، محسوبًا وفق القوة الشرائية، نحو 16 ألف دولار، مقابل أكثر من 62 ألف دولار في دول مجلس التعاون الخليجي. كما لا يتجاوز نصيب الفرد من الناتج المحلي نحو أربعة آلاف دولار في إيران، مقابل متوسط يقارب 40 ألف دولار خليجيًا. ويزيد معدل التضخم في إيران على 42%، بينما يدور في معظم دول الخليج حول 1 إلى 2%، كما تبلغ البطالة نحو 8.3% مقابل قرابة 2% خليجيًا. أما مؤشر التنمية البشرية، الذي يجمع بين مؤشرات الصحة والتعليم ومستوى المعيشة، فقد جاءت جميع دول مجلس التعاون ضمن فئة "التنمية البشرية المرتفعة جدًا" في حين احتلت إيران المرتبة الخامسة والسبعين عالميًا.
هذه المؤشرات لا تقدم مقارنة اقتصادية فحسب، وإنما تطرح سؤالًا سياسيًا وفكريًا مشروعًا: إذا كانت التجربة التي قادها النظام الإيراني قد أُقيمت باسم الدفاع عن الشيعة، فأين انعكست ثمارها على حياة الشيعة أنفسهم، وفي إيران بشكل خاص؟
ومن هنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: وماذا جنى الشيعة العرب الذين جرى ربط انتمائهم المذهبي بمشروع سياسي إقليمي تقوده طهران؟
عند مراجعة التجربة بعيدًا عن الشعارات، تبدو الإجابة مؤلمة. فلم تؤدِّ هذه السياسات إلى ازدهار المجتمعات التي قيل إنها جاءت لحمايتها، ولا إلى تعزيز استقرارها، بل على العكس، تحولت في كثير من الحالات إلى عامل إضافي في إضعاف الدولة الوطنية وتعميق الانقسامات الداخلية.
يكفي النظر إلى الواقع الإيراني نفسه. فإذا كان المشروع قد أُقيم أساسًا باسم الدفاع عن الشيعة، فإن أول من ينبغي أن تظهر عليهم ثماره هم شيعة إيران، غير أن الواقع الاقتصادي والاجتماعي هناك يعكس تحديات عميقة كما ذكرنا، بينما لا تزال بعض القوميات والأقليات تعاني بدورها من مشكلات تنموية وسياسية مزمنة، على رأسها الشيعة العرب في إيران.
وفي لبنان، دفعت البيئة الشيعية أثمانًا باهظة نتيجة انخراط حزب الله في مشروع إقليمي تجاوز حدود الدولة اللبنانية، فكانت النتيجة دمارًا واسعًا وخسائر بشرية واقتصادية هائلة أصابت المجتمعات المحلية قبل غيرها.
وفي سوريا، انتهى أحد أهم مرتكزات مشروع "ولاية الفقيه" بسقوط نظام بشار الأسد، بعد سنوات من الحرب التي استنزفت الأرواح والموارد، وهو ما يعكس أن المشاريع العقائدية العابرة للحدود قد تنجح في توسيع النفوذ لفترة من الزمن، لكنها لا تكفي لبناء دولة مستقرة.
أما العراق، ورغم ما يمتلكه من ثروات وإمكانات كبيرة، فما زال يواجه تحديات معقدة تتعلق بالخدمات والتنمية والانقسام السياسي والفساد وانتشار السلاح خارج إطار الدولة، وهي أوضاع لم تحقق للمواطن العراقي، شيعيًا كان أم سنيًا أم كرديًا، ما كان يتطلع إليه من أمن وازدهار.
وحتى في الساحات التي لم تكن شيعية في الأساس، مثل تجربة حركة حماس أو جماعة الحوثيين في اليمن، يظهر أن الدعم الإيراني كان جزءًا من مشروع توسع إقليمي أكثر من كونه مشروعًا لتحسين حياة "المستضعفين" أو الدفاع عن المصالح الوطنية لتلك الشعوب.
ولعل المفارقة الأبرز أن عددًا كبيرًا من العرب الشيعة الذين فقدوا أرواحهم في الحروب والصراعات التي اندلعت منذ عام 1979 يفوق بكثير ما تعرضوا له خلال حقب تاريخية طويلة، بما فيها الحرب العراقية الإيرانية التي حصدت مئات الآلاف من الضحايا العرب، وكان معظم الجنود العراقيين الذين قتلوا في تلك الحرب من الشيعة.
ومن اللافت أيضًا أن مشروع ولاية الفقيه ركّز اهتمامه بصورة رئيسية على الشيعة العرب في عدد من الدول العربية، بينما لم يحظَ ملايين الشيعة في دول مثل الهند وباكستان وأذربيجان وأفغانستان باهتمام مماثل، وهو ما يثير تساؤلًا مشروعًا حول ما إذا كانت الأولوية مذهبية خالصة أم أن الاعتبارات الجيوسياسية كانت العامل الحاسم.
لقد تبنى النظام الإيراني منذ قيامه مشروعًا عابرًا للحدود، يقوم على توظيف البعد المذهبي لبناء النفوذ السياسي والعسكري، ثم تحويله إلى مؤسسات وتنظيمات وولاءات تتجاوز الدولة الوطنية. ويمكن وصف ذلك بأنه "مأسسة للمسألة الشيعية"؛ أي نقلها من فضائها الديني والاجتماعي إلى فضاء سياسي وأمني منظم.
وكانت النتيجة أن تحولت المجتمعات الشيعية في عدد من الدول العربية، من دون إرادة غالبية أبنائها، إلى "ملف أمني" في نظر كثير من الدول، وهو تطور ألحق الضرر بالشيعة العرب أنفسهم قبل غيرهم؛ لأن الغالبية الساحقة منهم لا تبحث إلا عن حياة مستقرة، ومواطنة متساوية، ومستقبل أفضل لأبنائها داخل أوطانها.
فالشيعة العرب كانوا، وما زالوا، جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني في بلدانهم، ولم يكونوا بحاجة إلى وصاية سياسية من خارج حدود أوطانهم. ومن انساق وراء الشعارات البراقة في مراحل سابقة اكتشف، مع مرور الزمن، أن حماية الحقوق لا تتحقق عبر الولاءات العابرة للحدود، وإنما عبر الدولة الوطنية القادرة الراسخة.
إن مستقبل الشيعة العرب، كما مستقبل جميع المواطنين، والدفاع عن حقوقهم، شيعةً وسنةً وسائر مكونات المجتمع، يصنعه ترسيخ الدولة الوطنية واحترام القانون وسيادة المؤسسات الدستورية، لا الارتباط بمشاريع إقليمية عابرة للحدود. فكلما ازدادت قوة الدولة الوطنية، ازدادت قدرة جميع أبنائها على التمتع بحقوقهم وحرياتهم على قدم المساواة.
