د. غالية بنت عيسى الزبيدي**
لقد آمنت بأن القمم لا تُمنح لمن ينتظرون، وإنما تُمنح لمن يملكون شجاعة الصعود.
وإنَّ أعظمَ ما يمكن أن يتركه الإنسانُ في هذه الحياة ليس ما يملكه، بل ما يمنحه، وليس المكان الذي وصل إليه، بل الأثر الذي يتركه على الأرض وفي الآخرين.
بهذه الحقيقة الكبرى يمكن أن نقرأ رحيل المتسلقة العُمانية نظيرة الحارثي؛ فالإنسان مهما طال به العمر، ومهما اتسعت به الطرق، سيصل يومًا إلى المحطة الأخيرة؛ فالموت موعدٌ مكتوب على جبين كل حي، لكن الفارق بين إنسان وآخر ليس في الرحيل، وإنما فيما يبقى بعد الرحيل.
رحلت نظيرة الحارثي وهي في المكان الذي يشبه روحها؛ في حضرة الجبال الشامخة، حيث الصمت أبلغ من الكلمات، وحيث الثلج يحتفظ بخطوات العابرين الذين حملوا أحلامهم إلى السماء.
كانت أول امرأة عُمانية تصل إلى قمة جبل إيفرست، فكتبت اسمها في سجل الإنجازات الوطنية، وأثبتت أن الطموح العُماني قادر على أن يعانق أعلى القمم في العالم.
ولم يكن صعودها مجرد مغامرة رياضية، بل كان رسالة أثبتت أن الإنسان يستطيع أن يسجل خلوده حين يؤمن بأن الحلم يستحق التضحية.
لقد كانت تحمل وطنها معها في كل قمة، وتحمل كذلك القضايا الإنسانية التي آمنت بها، فكان حضورها أكبر من مجرد صورة على جبل؛ كان حضور امرأة أرادت أن تقول إن القمم ليست أماكن نصل إليها فقط، بل مواقف وقيم ورسائل نحملها معنا، ولأجل ذلك وجدناها تحمل علم فلسطين وتصعد بالقضية من أعلى قمم العالم.
إن بعض الناس يختصرون الزمن في لحظة عظيمة، فيصبحون جزءًا من ذاكرة الأجيال.
ونظيرة الحارثي من أولئك الذين لم يقيسوا حياتهم بعدد الأيام، بل بعدد الأحلام التي أشعلوها في نفوس الآخرين.
رحلت نظيرة، لكن الجبال التي أحبّتها لن تنساها؛ فهناك أسماء لا تُكتب على الصفحات فقط، بل تُحفر في وجدان الناس؛ لأن أثرها لا يموت.
لقد كان قدرها رحلة صعود من قمم الأرض إلى قمم السماء، إذ تركت لنا في كل قمة عبرتها قممًا أخرى: من الإصرار والشجاعة، وقمة أن يعيش الإنسان حياته وهو يعرف أن أجمل انتصار ليس أن يصل وحده، بل أن يجعل الآخرين يؤمنون بأن الوصول ممكن.
سلامٌ على روحٍ اختارت أن تلامس السماء، وعلى امرأةٍ عُمانية جعلت من الجبل منارةً علقت عليها اسم عُمان، وجعلت من المغامرة رسالة، ومن الرحيل بدايةً جديدة لحضورٍ لا يغيب.
**شاعرة وكاتبة
