حقيبة ورق الدبلوماسية العُمانية.. نصف قرن من الاتزان يرسم مستقبل الأمن الخليجي

 

 

حمود بن علي الطوقي

في زمن تتسارع فيه الأزمات، وتتعاظم فيه التحديات الأمنية، تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة للمفاهيم التي حكمت أمن منطقة الخليج طوال العقود الماضية. فالحرب الأخيرة، وما سبقها من أزمات متلاحقة، أثبتت أن الأمن لا يمكن أن يقوم على منطق الردع وحده، ولا على سباقات التسلح، ولا على توسيع الوجود العسكري الأجنبي، بل يحتاج إلى رؤية سياسية أكثر عمقًا، تنطلق من مصالح شعوب المنطقة، وتؤسس لاستقرار مستدام.

ومن هذا المنطلق، جاءت التصريحات الأخيرة لمعالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، لتقدم قراءة استراتيجية تتجاوز الحدث الآني، وتفتح الباب أمام التفكير في مستقبل المنظومة الأمنية الخليجية. فدعوته إلى إعادة النظر في البنية الأمنية القائمة، وطرح فكرة بناء إطار إقليمي أكثر استقرارًا، يعكسان رؤية لا تنطلق من ردود الأفعال، وإنما من خبرة دبلوماسية تراكمت عبر عقود طويلة.

ولعل أهمية هذه الرؤية تكمن في أنها ليست تحولًا مفاجئًا في السياسة الخارجية العُمانية، بل امتداد طبيعي لنهج انتهجته سلطنة عُمان منذ بزوغ نهضتها الحديثة. فمنذ أكثر من خمسين عامًا، اختارت السلطنة أن تجعل من الاعتدال والحوار وعدم التدخل في شؤون الآخرين ركائز ثابتة في علاقاتها الخارجية، وهو ما منحها مصداقية واحترامًا على المستويين الإقليمي والدولي.

وخلال هذه العقود، لم تكن الدبلوماسية العُمانية مجرد مراقب للأحداث، بل كانت طرفًا فاعلًا في تقريب وجهات النظر، وفتح قنوات الحوار، وتهيئة الأجواء للحلول السياسية في العديد من القضايا الإقليمية والدولية. وقد أدركت القيادة العُمانية مبكرًا أن استقرار الخليج لا يتحقق بإقصاء أي طرف، ولا بتغليب منطق القوة، وإنما ببناء جسور الثقة، وتعزيز التعاون، واحترام سيادة الدول، ومعالجة أسباب التوتر بالحوار.

ولقد أثبتت التجارب أن المنطقة، رغم ما تمتلكه من إمكانات اقتصادية وعسكرية، ظلت عرضة للأزمات المتكررة. فقد تضاعف الإنفاق الدفاعي، وتزايد عدد القواعد العسكرية الأجنبية، لكن ذلك لم يمنع اندلاع الحروب، ولم يحقق الاستقرار المنشود. وهو ما يفرض اليوم مراجعة هادئة وصريحة للخيارات السابقة، والبحث عن نموذج أمني جديد أكثر قدرة على حماية مصالح دول المنطقة وشعوبها.

ومن هنا تكتسب تصريحات معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي أهمية خاصة، لأنها تدعو إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة أمنية مستدامة، يكون الحوار أساسها، والتعاون الإقليمي ركيزتها، مع الحفاظ على الشراكات الدولية في إطار من التوازن والاحترام المتبادل، بعيدًا عن منطق الاستقطاب.

كما أن الدعوة إلى إيجاد إطار دائم يضمن أمن الملاحة في مضيق هرمز، وإلى مراجعة الفرضيات الأمنية التي حكمت المنطقة لعقود، تعكس إدراكًا بأن أمن الخليج لم يعد قضية محلية فحسب، بل أصبح جزءًا من أمن الاقتصاد العالمي واستقرار التجارة الدولية، الأمر الذي يتطلب حلولًا طويلة الأمد، لا ترتبط بردود الفعل المؤقتة.

إن ما يميز السياسة الخارجية العُمانية هو ثباتها على المبادئ، مع مرونتها في الوسائل. فهي لم تبنِ مكانتها على الاصطفافات، وإنما على قدرتها على التواصل مع الجميع، وعلى دورها في تخفيف التوترات، وهو ما جعلها محل تقدير وثقة لدى مختلف الأطراف.

واليوم، وبينما يُعاد تشكيل موازين القوى في المنطقة، تبدو الرؤية العُمانية أكثر حضورًا من أي وقت مضى. فالعالم بات يدرك أن الأمن لا يمكن أن يتحقق بالقوة وحدها، وأن التنمية والازدهار يحتاجان إلى بيئة مستقرة، وإلى دبلوماسية قادرة على تحويل الخلافات إلى فرص للحوار.

لقد كانت سلطنة عُمان، على مدى نصف قرن، صوت العقل في محيط مضطرب، وحملت رسالة مفادها أن السلام ليس موقفًا مثاليًا، بل خيارًا استراتيجيًا يحفظ مصالح الجميع. واليوم، تؤكد تصريحات معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي أن هذه المدرسة الدبلوماسية لا تزال تقدم رؤيتها للمستقبل، وأنها تدعو إلى الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة الأمن الإقليمي.

وربما تكون المرحلة المقبلة هي الفرصة الأهم أمام دول الخليج لبناء منظومة أمنية جديدة، تنطلق من الداخل، وتعتمد على الثقة والتعاون وحسن الجوار، وتستفيد من خبرات العقود الماضية. وإذا تحقق ذلك، فإن التاريخ قد يسجل أن الرؤية التي حملتها الدبلوماسية العُمانية منذ سنوات أصبحت اليوم الأساس الذي يُبنى عليه مستقبل الأمن والاستقرار في الخليج.

الأكثر قراءة

z