نظيرة الحارثية... قمةٌ في ذاكرة الوطن

 

 

سليمان بن حمود الناعبي

هناك من يبلغ القمم... وهناك من يصبح قمةً في ذاكرة وطن.

لم تكن البطلة العُمانية نظيرة الحارثية مجرد متسلقة جبال، بل كانت مشروعًا وطنيًا ملهمًا، جسّد أسمى معاني الانتماء، والمواطنة، والشغف، والإيمان بالهدف، والعزيمة التي لا تلين. حملت علم سلطنة عُمان إلى أعلى القمم، لا طلبًا للمجد الشخصي، بل إيمانًا بأن راية الوطن تستحق أن تُرفع في كل مكان، وأن الإنجاز الحقيقي هو ما يُصنع بالإخلاص، والانضباط، والإعداد المتقن، والعمل الدؤوب.

ولم يكن رحيل نظيرة خسارةً لعُمان وحدها، بل خسارةً لكل من عرف معنى الشغف، والإصرار، وتحدي المستحيل. فقد تجاوزت برسالتها حدود الجغرافيا، وأصبحت مصدر إلهامٍ لمحبي الجبال والمغامرة حول العالم، واستحقت أن تكون خير سفيرةٍ لسلطنة عُمان، تحمل اسم وطنها بكل فخر، وتجسد بأخلاقها، وتواضعها، وإنجازاتها، الصورة المشرقة للإنسان العُماني في المحافل الدولية. ولم يكن حضورها مؤثرًا في وطنها فحسب، بل نالت احترام مجتمع التسلق العالمي، لأنها كانت تمثل القيم التي يجتمع عليها عشاق الجبال؛ الشجاعة، والانضباط، والتواضع، والإخلاص للطريق.

عرفها كل من رافقها بأنها حذرة، متمكنة، ملتزمة، وصاحبة خبرة، تُجيد قراءة الجبل وتحترم هيبته، وتؤمن بأن الجبل لا يُغلب بالقوة، بل بالعلم، والخبرة، والانضباط، واحترام قوانين الطبيعة.

ولم تكن إنجازاتها محطاتٍ عابرة، بل ثمرة سنواتٍ طويلة من الإعداد، والتدريب، والانضباط، واحترام أدق تفاصيل هذه الرياضة التي لا تعترف إلا بالكفاءة.

وقد نقشت اسمها في سجل كبار المتسلقين، بعدما وقفت على قمة إيفرست، سقف العالم وأعلى نقطة على وجه الأرض، حيث لا يصل إلا من جمع بين الإيمان، والعلم، والانضباط، والإرادة التي لا تعرف المستحيل، لتصبح أول امرأة عُمانية تحقق هذا الإنجاز التاريخي. ثم واجهت هيبة جبل K2، أحد أخطر وأصعب قمم العالم، كما اعتلت ماناسلو، وكلمنجارو، وآمادابلام، وغيرها من القمم التي لا يصل إليها إلا أصحاب العزائم الاستثنائية.

وكانت ترى في كل قمة رسالة، وفي كل إنجاز مسؤولية، وتؤمن بأن تمثيل عُمان شرفٌ يسبق أي مجدٍ شخصي، وأن قيمة الإنجاز تكمن فيما يتركه من أثرٍ لوطنها قبل أن يضيفه إلى سجلها.

لم تكن نظيرة تبحث عن الشهرة، ولا عن الأرقام، بل كانت تؤمن بأن كل خطوة تخطوها على الجبل هي خطوةٌ باسم وطنها. لذلك بقيت في ذاكرة كل من عرفها مثالًا للمتسلقة المحترفة، والإنسانة المتواضعة، والسفيرة التي مثلت عُمان بأخلاقها قبل إنجازاتها.

وفي سفوح جبال كاراكورام الشاهقة في باكستان، وبين قممٍ طالما اختبرت إرادة الإنسان، كانت نظيرة تمضي بخطى الواثق، تحمل إيمانها، وخبرتها، وشغفها الذي لم يعرف يومًا حدودًا. وكانت تدرك أن الجبال لا تمنح مجدها إلا لمن يحترمها، وتؤمن أن الأقدار كلها بيد الله، وأن ما كتبه سبحانه نافذٌ لا محالة. ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾.

وأرضُ اللَّهِ واسعةٌ ولكنْ إذا نزلَ القضاءُ ضاقَ الفضاءُ.

وفي لحظاتٍ خاطفة، دوّى الانهيار الجليدي، فتوقفت الخطى، وصمت المكان، وانتهت رحلة البطلة على الجبل الذي أحبته، بينما بدأت رحلةٌ أخرى... رحلة الخلود في ذاكرة وطن، سيظل يروي للأجيال قصة امرأةٍ آمنت بحلمها، وأخلصت لوطنها، ومضت في طريقها بثبات حتى آخر خطوة.

وكأن الحزن يومها لم يجد لغةً أصدق من الشعر، فكان يقول:

أنا جفنٌ ضناهُ الدمعُ نعيًا ... أنا الطوفانُ يعبرُ في حشايا

أنا الموءودُ في رمسِ الأماني ... أنا حلمٌ تُغازِلُهُ المنايا

كانت نظيرة الحارثية برهانًا حيًا على أن العظمة لا تُقاس بالجنس، بل بالإرادة. فرضت احترامها في أصعب ميادين العالم، حتى وصفها كثيرون بأنها «أخت الرجال»، لما امتلكته من شجاعة، وثبات، وأخلاق، وتواضع، وإيمانٍ لا يتزعزع، مع احتفاظها بكل ما يميز المرأة العُمانية من أصالةٍ ورقي. لقد جسدت صورة المرأة العُمانية القادرة على الوصول إلى أعلى القمم، دون أن تتخلى عن قيمها، أو تواضعها، أو حبها العميق لوطنها.

لقد أثبتت أن راية عُمان لا يحملها إلا أصحاب الرسالة، وأن الإنجازات العظيمة لا تُصنع بالصدفة، بل بالصبر، والتخطيط، والانضباط، والإيمان بأن المستحيل ليس نهاية الطريق، بل بدايته.

ورغم أن الجبل احتضن جسدها، فإن عُمان ستحتضن اسمها في ذاكرتها، وستظل سيرتها منارةً لكل من يؤمن بأن الأحلام الكبيرة تستحق التضحية، وأن حب الوطن لا يُقال بالألسن، بل يُترجم بالأفعال، وبالثبات على المبادئ، والإخلاص للرسالة.

قد يرحل أصحاب الرسالات، لكن رسالاتهم لا ترحل، وقد تغيب الأجساد، لكن الأثر يبقى خالدًا. رحلت نظيرة، وبقي اسمها يرفرف في سماء المجد كما رفرف اسم عُمان فوق القمم التي اعتلتها، وستظل قصتها تُروى جيلًا بعد جيل، لأنها لم تصعد الجبال بحثًا عن الشهرة، بل صعدتها عشقًا للوطن، وإيمانًا بأن المستحيل خُلق ليُهزم، وأن راية عُمان تستحق أن تبقى خفاقةً فوق أعلى قمم الأرض.

رحم الله البطلة العُمانية نظيرة الحارثية رحمةً واسعة، وأسكنها فسيح جناته، وألهم أهلها ومحبيها الصبر والسلوان، وجعل سيرتها العطرة نبراسًا للأجيال، لتبقى دائمًا... قمةً في ذاكرة الوطن.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z