من باريس.. عاصمة النور تستقبل سلطان عُمان

 

حمود بن علي الطوقي

 

أُطلُّ عليكم في هذا المقال من باريس، عاصمة النور والجمال، المدينة التي تحتضن التاريخ والفكر والثقافة، والتي استقبلت ضيفها الكبير، حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- في زيارة رسمية إلى الجمهورية الفرنسية، تجسد عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، وتفتح آفاقًا جديدة لشراكة أكثر اتساعًا في السياسة والاقتصاد والاستثمار والثقافة.

وقبل وصول جلالة السلطان، كانت باريس تعيش واحدة من أشد موجات الحر التي شهدتها هذا الصيف، لكن المدينة بدت وكأنها استقبلت ضيفها الكبير بأجواء مختلفة؛ ليس فقط باعتدال الطقس، بل بحفاوة الاستقبال وروعة التنظيم والاهتمام الرسمي والإعلامي الذي رافق هذه الزيارة، في مشهد يعكس المكانة التي تحظى بها سلطنة عُمان وقيادتها الحكيمة على الساحة الدولية.

ولم تكن هذه الزيارة مجرد محطة بروتوكولية في سجل العلاقات الثنائية، بل جاءت في توقيت بالغ الأهمية، في ظل متغيرات دولية وإقليمية متسارعة، تؤكد الحاجة إلى تعزيز الشراكات القائمة على الحوار والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. وقد عُرفت سلطنة عُمان، بقيادة جلالة السلطان، بدورها المتوازن في ترسيخ السلام، ومد جسور التفاهم بين الشعوب، وهي المبادئ التي تتقاطع مع رؤية الجمهورية الفرنسية في دعم الاستقرار والتعاون الدولي.

وتتميز العلاقات العُمانية الفرنسية بتاريخ طويل من الصداقة والثقة المتبادلة، تطورت عبر العقود لتشمل مجالات الاقتصاد والدفاع والتعليم والثقافة والطاقة والاستثمار، حتى أصبحت نموذجًا للعلاقات المتوازنة القائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهو ما وفر قاعدة صلبة للانتقال بهذه العلاقات إلى آفاق أرحب.

وجاءت نتائج الزيارة لتؤكد هذا التوجه؛ حيث شهد جلالة السلطان المعظم وفخامة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التوقيع على 12 اتفاقية ومذكرة تفاهم وإعلان نوايا، في خطوة تعكس الإرادة المشتركة للارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.

وشملت الاتفاقيات مجالات حيوية تمس مستقبل التنمية في البلدين، من بينها الاستثمار، واللوجستيات، والموانئ، والطاقة المتجددة، والطيران المدني، والموارد المائية، والتعليم، والبحث العلمي، والابتكار، والفضاء، وتطوير الكفاءات الوطنية، إلى جانب التعاون في تنفيذ مشروع مترو مسقط، بما يعكس الثقة الكبيرة في البيئة الاستثمارية العُمانية، والدور الذي يمكن أن تؤديه الخبرات الفرنسية في دعم المشاريع التنموية الكبرى التي تنسجم مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040".

ومن المؤكد أن هذه الاتفاقيات لن تبقى حبرًا على ورق، بل ستترجم إلى مشاريع واستثمارات وفرص عمل ونقل للمعرفة والتقنيات الحديثة، وهو ما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني، ويمنح القطاع الخاص في البلدين فرصًا أوسع لبناء شراكات حقيقية ومستدامة.

كما أن الزيارة تحمل رسائل سياسية مهمة، تؤكد استمرار النهج العُماني القائم على الاعتدال والحكمة والانفتاح، وتعزز حضور سلطنة عُمان كشريك موثوق يحظى باحترام المجتمع الدولي، ويؤمن بأن التنمية المستدامة لا تنفصل عن الأمن والاستقرار والتعاون بين الدول.

وبينما أتنقل بين شوارع باريس، وأشاهد الاهتمام الكبير بهذه الزيارة، أدركت أن صورة عُمان اليوم أصبحت أكثر إشراقًا في المحافل الدولية، بفضل السياسة الحكيمة التي يقودها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -أعزَّه الله- والتي نجحت في ترسيخ مكانة السلطنة بوصفها دولة سلام وحوار وشريكًا يُعتمد عليه في مختلف القضايا الإقليمية والدولية.

إن العلاقات العُمانية الفرنسية تدخل اليوم مرحلة جديدة، عنوانها الاستثمار في المستقبل، وبناء اقتصاد المعرفة، وتعزيز الابتكار، وتوسيع التعاون في القطاعات الواعدة، بما يخدم مصالح الشعبين الصديقين، ويؤسس لعقود جديدة من التعاون المثمر.

وستبقى هذه الزيارة محطة مضيئة في مسيرة العلاقات بين سلطنة عُمان وفرنسا، ليس لأنها شهدت توقيع اثنتي عشرة اتفاقية ومذكرة تفاهم فحسب، بل لأنها أكدت أن الدبلوماسية العُمانية تمضي بثقة نحو المستقبل، وأن عُمان، بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -أبقاه الله- تواصل بناء شراكاتها الدولية على أسس من الحكمة والاحترام المتبادل والرؤية الاستراتيجية، لتظل دائمًا وطنًا للسلام، وجسرًا للتواصل بين الشرق والغرب.

الأكثر قراءة

z