حسين محمد
كثير ما توجد على واجهات المحلات لافتات تخفيضات 70% خصم 50%، وعندما تدخل يكون قد جرى استدراجك ولا شيء صحيح مما سبق.
شهدت العقود الأخيرة شيوع مصطلح الـHook في مجالات كالاعلام والتسويق وصناعة المحتوى، ويقصد به جذب انتباه المتلقي من الوهلة الأولى حتى يدفعه ذلك إلى المواصلة في المشاهدة والاستماع والقراءة.
وفي أحد الأيام كانت لي حاجة عند مسئول، فقال الحاجب: اختصر في كلماتك وحاول أن تستفتح كلامك بشيء قوي حتى تشد الانتباه إذا أردت أن تقضى حاجتك، لأن المدير ليس لديه وقت وكثير الانشغال.
قلت في نفسي: هذا الحاجب يدعوني لممارسة الـ Hook في حديثي، وحسب علمي أنه لم يتبادر إلى مسامعه هذا المصطلح يوما. وبالرغم أن المصطلح يعتبر حديثا، إلا أن وظيفته قديمة في الأدب العربي وبالأخص الشعر الجاهلي، حيث اعتنى الشعر الجاهلي بالمطلع، ولم يكن مطلع القصيدة الجاهلية شكليا ولم يوضع اعتباطا، بل كان وسيلة لجذب انتباه السامعين.
وبين ابن قتيبة وظيفة الغرض من المطلع إذ قال: "وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أنّ مقصّد القصيد إنّما ابتدأ فيها بذكر الديار والدّمن والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الرّبع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سببا لذكر أهلها الظاعنين (عنها) ، لانتقالهم من ماء إلى ماء وانتجاعهم الكلأ وتتبعهم مساقط الغيث (المطر) أين كان .ثم وصل ذلك بالنسيب ، فشكا شدة الوجد وألم الفراق وفرط الصبابة والشوق ليميل نحوه القلوب ويصرف إليه الوجوه ، ويستدعي به إصغاء الأسماع إليه."
ولهذا السبب كانت مطلع القصيدة الجاهلية أكثر الأبيات تداولاً وخلودا، ومن أشهرها قول امرؤ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
لم يبدأ بالغرض من القصيدة مباشرة بل بدأ بـ: قفا، ليستوقف السامع
نبك: بمعنى قف يا رفيقي وتعال نبكي سويًا على ذكرى الحبيب ومنزله ودياره وأولئك الغائبين وطيفهم الذي يأبى أن يفارقنا، في محاولة لاستمالة عواطف السامع ومشاعره، حتى إذا تأكد من استمالته انتقل بعدها إلى الغرض من القصيدة.
وقول عنترة: هل غادر الشعراء من متردم؟
ابتدأ بالسؤال حتى يلفت السامع ويثير ذهنه، ويدعوه للتفكر.
وقد استخدم الشعراء أساليب ووسائل مختلفة لجذب انتباه الجمهور: مثل النداء والاستفهام والحكمة.
وهذا يكشف عن وعي عميق بعلم النفس، لأن الإنسان غالباً ما ينجذب للغموض والعاطفة والأشياء التي تستفز حس السؤال لديه والصور غير المألوفة، وهذا ما عرفه وأدرك حقيقته الشعراء الأوائل: "بالخبرة ربما وقد يكون بالفطرة" وهذا جانب آخر بحاجة إلى نقد وبحث علمي مستفيض.
والشاهد أن المختصين في الإعلام والتسويق والكتابة الصحفية يؤكدون أن تحديد نجاح أي خطاب أو مقال أو مقطع مرئي يكمن الثواني الأولى.
وقال أحد المتابعين لصانع محتوى: حاول أن تجذبني إليك في أول 15 ثانية وإلا سأصاب بالملل وابدأ بمتابعة التالي.
وهي الفكرة نفسها التي أدركها الشاعر الجاهلي، فإن لم يكن مطلع القصيدة جاذبا للأسماع فلن يمنحه المتلقي آذانه، لأن البداية هي التي تحدد هل استمر في الاستماع للقصيدة أم لا وهل سأستمر في مشاهدة الريلز أم لا.
ما أريد ان أشير إليه هنا أن الـHook ليس تقنية حديثة كما يروج لها عمدا أو عن غير عمد، بل تقنية ضاربة جذورها في التراث العربي القديم، حتى وإن تغيرت المسميات، إلا ان الوظيفة لاتزال نفسها.
وهذا واجبنا كطلاب وباحثين في الأدب العربي، أن نعيد دراسة تراثنا بطريقة عصرية ليس لإثبات السبق فقط، وإنما للاستفادة من الكنوز المنسية. فالقصيدة الجاهلية لم تكن عشوائية في بنيتها بل هي مدرسة متكاملة من فنون الجذب والتأثير والإقناع.
