حمود بن علي الطوقي
أطل عليكم هذه المرة من مدينة فرانكفورت الألمانية، المدينة التي يختلط فيها نبض المال بروح التاريخ، وتعانق فيها ناطحات السحاب أبراج الكنائس العتيقة، فتقدم لزائرها مشهدًا حضاريًا يصعب أن يتكرر في مدينة أخرى. إنها مدينة لا تكتفي بأن تكون مركزًا اقتصاديًا عالميًا، بل تمنح كل من يزورها رحلةً بين صفحات التاريخ، وأخرى في قلب أوروبا الحديثة.
ولعل ما يميز فرانكفورت بالنسبة للمسافر العُماني أنها إحدى أهم الوجهات الأوروبية التي تصلها رحلات مباشرة للطيران العُماني، وهو ما يعكس المكانة التي تحظى بها هذه المدينة على خارطة النقل الجوي بين سلطنة عُمان وأوروبا. فهذه الرحلات لا تختصر المسافات فحسب، بل تفتح أبوابًا واسعة أمام السياحة، والاستثمار، والتعليم، والعلاج، كما تجعل من فرانكفورت نقطة انطلاق مثالية لاكتشاف ألمانيا والدول الأوروبية المجاورة.
ومنذ أن تطأ قدماك أرض المدينة، تدرك أنك أمام تجربة مختلفة؛ فالنظام والدقة والتعايش ليست مجرد شعارات، بل أسلوب حياة ينعكس في كل شارع وساحة ومحطة قطار. ورغم أنها تضم المقرات الرئيسية لكبرى البنوك والمؤسسات المالية الأوروبية، فإنها لم تفقد روحها الإنسانية، ولا جمالها التاريخي الذي حافظت عليه بعناية فائقة
ولأن اختيار مكان الإقامة يمثل جزءًا مهمًا من متعة السفر، فقد وقع اختياري على فندق AVANI Frankfurt City Hotel، الذي يتميز بموقعه القريب من شارع Zeil، أشهر شوارع التسوق في ألمانيا، حيث تنبض الحياة منذ ساعات الصباح الأولى وحتى وقت متأخر من الليل. وقد منحني هذا الموقع فرصة لاكتشاف المدينة سيرًا على الأقدام، فكانت معظم المعالم التاريخية والثقافية على مسافة قصيرة، إلى جانب المطاعم والمقاهي والمتاجر العالمية، وهو ما جعل الإقامة أكثر راحة ومتعة، وأتاح لي معايشة نبض فرانكفورت الحقيقي بعيدًا عن التنقل الطويل، لأكتشف أن اختيار الفندق في قلب المدينة كان قرارًا موفقًا أضفى على الرحلة قيمة وتجربة لا تُنسى
كانت محطتي الأولى في ساحة رومربيرغ، القلب التاريخي لفرانكفورت؛ حيث المباني الخشبية الملونة التي تعود إلى قرون مضت، والساحة التي شهدت تتويج أباطرة الإمبراطورية الرومانية المقدسة، لتبقى حتى اليوم شاهدًا على تاريخ طويل من الحضارة الأوروبية.
ومن هناك اتجهت نحو نهر الماين، الشريان الذي يمنح المدينة حياتها وجمالها. وعلى ضفافه تنتشر المقاهي والحدائق ومسارات المشاة، فيما يربط بين ضفتيه الجسر الحديدي الشهير، الذي يمنح الزائر واحدة من أجمل الإطلالات على أفق المدينة، خاصة مع غروب الشمس حين تنعكس ألوان السماء على مياه النهر في لوحة آسرة.
وفي أثناء جولتي، زرت كاتدرائية القديس برثلماوس، التي تعد من أبرز المعالم الدينية والتاريخية، ثم كنيسة القديس بولس التي ارتبطت ببدايات الحياة الديمقراطية الحديثة في ألمانيا. ولم تكن زيارة شارع زايل أقل متعة، فهو أحد أشهر شوارع التسوق في أوروبا، حيث تتجاور المتاجر العالمية مع المقاهي والمطاعم التي تستقبل الزوار من مختلف أنحاء العالم.
ولمحبي الثقافة والفنون، توفر فرانكفورت تجربة فريدة عبر منطقة المتاحف الممتدة على ضفاف نهر الماين، والتي تضم مجموعة كبيرة من المتاحف العالمية، إلى جانب المسارح وقاعات الموسيقى، لتؤكد أن هذه المدينة لا تعيش على الاقتصاد وحده، بل تحتفي أيضًا بالفكر والإبداع.
وخلال زيارتي، كان أكثر ما لفت انتباهي ذلك التنوع الثقافي الكبير؛ فهنا تسمع عشرات اللغات، وتشاهد ثقافات متعددة تعيش في انسجام واحترام متبادل، لتصبح فرانكفورت نموذجًا حقيقيًا لمدينة عالمية استطاعت أن تستوعب الجميع دون أن تفقد هويتها الألمانية.
كما أن سهولة التنقل داخل المدينة تمثل عنصرًا مهمًا في نجاحها السياحي؛ إذ ترتبط جميع أحيائها بشبكة متطورة من القطارات والمترو والترام، إلى جانب المسارات المخصصة للدراجات الهوائية، الأمر الذي يجعل اكتشاف المدينة تجربة مريحة وممتعة.
ومن زاوية أخرى، فإن فرانكفورت ليست مجرد مقصد سياحي، بل بوابة اقتصادية لأوروبا، ومركز مالي عالمي يحتضن مقار مؤسسات مصرفية وتجارية كبرى، وهو ما يمنح العلاقات الاقتصادية بين سلطنة عُمان وألمانيا آفاقًا رحبة، خاصة مع تنامي التعاون في مجالات الاستثمار واللوجستيات والطاقة والصناعة. ومن هنا تبرز أهمية الرحلات المباشرة للطيران العُماني، التي لا تخدم قطاع السياحة فقط، بل تسهم أيضًا في تعزيز حركة رجال الأعمال، وتوسيع الشراكات الاقتصادية، وتقريب المسافات بين البلدين الصديقين
ولا يمكن الحديث عن أهمية فرانكفورت بالنسبة لسلطنة عُمان، دون التوقف عند الدور الذي تؤديه الرحلات المباشرة للطيران العُماني في تعزيز التقارب بين البلدين؛ فالنقل الجوي لم يعد مجرد وسيلة للسفر، بل أصبح ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد، وتنشيط السياحة، واستقطاب الاستثمارات، وتبادل الخبرات، وفتح آفاق جديدة للتعاون في مختلف القطاعات. وتنسجم هذه الجهود مع مستهدفات رؤية عُمان 2040، التي تولي اهتمامًا كبيرًا بتعزيز مكانة السلطنة كمركز لوجستي عالمي، وتنويع الاقتصاد الوطني، وزيادة مساهمة قطاعي السياحة والطيران في الناتج المحلي.
ومن هذا المنطلق، تمثل فرانكفورت أكثر من مجرد محطة على خارطة الطيران العُماني؛ فهي بوابة استراتيجية إلى أوروبا، ومنها ينطلق المسافر إلى عشرات المدن الأوروبية عبر شبكة نقل متطورة، في الوقت الذي يجد فيه السائح الأوروبي طريقًا مباشرًا إلى سلطنة عُمان، ليكتشف ما تزخر به من مقومات طبيعية وثقافية وتاريخية.
إنها علاقة متبادلة تحقق المنفعة للطرفين، وتجسد كيف يمكن لخط جوي واحد أن يصنع جسورًا من التعاون الاقتصادي والثقافي والإنساني بين الشعوب.
