رحلة إلى صديق

 

 

ريتّا دار

darrita936@gmail.com

 

لدي سؤال لا أظن أن العلم سيجيب عنه قريبًا.

كيف يختار الإنسان أصدقاءه؟

أعرف أن هناك إجابات جميلة من نوع: "نتشابه في الاهتمامات"، و"تجمعنا القيم"، و"نرتاح لبعضنا". وهي إجابات محترمة جدًا، تصلح للمؤتمرات وورشات التنمية البشرية، ويهز الجميع رؤوسهم موافقين بعدها، وكأنهم اكتشفوا سر الحياة.

لكن تجربتي الشخصية تقول إن الموضوع يحدث بطريقة أكثر عبثية بكثير.

تجلس يومًا بجانب شخص لأن المقعد الوحيد الفارغ كان إلى جواره. تطلب منه قلمًا. يعطيك القلم.

بعد عشر سنوات، يكون هذا الشخص شاهدًا على ثلاثة قرارات كارثية اتخذتها في حياتك، ويملك صورًا لك تجعلك تتمنى لو أن التكنولوجيا لم تُخترع أصلًا.

في رأيي، الصداقة هي العلاقة الوحيدة التي تبدأ بقلم، وتنتهي بأن يعرف صديقك عنك تقريبًا ما تعرفه أنت عن نفسك.

الغريب أن الصداقة لا تخضع لأي منطق.

قد تقابل شخصًا مهذبًا، مثقفًا، لطيفًا، وتتفقان على كل شيء تقريبًا، ثم لا تصبحان صديقين أبدًا.

وفي المقابل، قد تنشأ أقوى صداقة في حياتك مع إنسان كان أول حوار بينكما: "هذه طاولتي". "لا، هذه طاولتي."

ثم، لسبب لا يعرفه أحد، تقرران أن تشربا القهوة معًا بعد أسبوع.

قبل أن أكمل، أشعر أن عليّ توضيح شيء صغير، حتى لا يخرج أحد من هذا المقال مقتنعًا أنني أملك لجنة استشارية من الأصدقاء أجريت عليها هذه الدراسة.

الحقيقة أن عدد أصدقائي المقربين اليوم أقل بكثير مما كان عليه في مراحل مختلفة من حياتي، حتى إنني أصبحت أستطيع عدّهم مستعينةً بأصابع يد واحدة.

لكن هذا لا يعني أنني حديثة العهد بالصداقة. على العكس تمامًا، مرّ في حياتي من الأصدقاء ما يكفي لأن أقتنع أن الصداقة وحدها قادرة على جمع أكثر البشر اختلافًا، ثم تفريق أكثرهم شبهًا. ولهذا، إذا بدا أنني أتحدث بثقة، فليس لأنني خبيرة في الصداقة، بل لأنني تخرجت منها بعد سنوات طويلة، بتقدير "جيد جدًا مع كثير من المواقف المحرجة."

ولا تسألوني كيف يحدث ذلك.

لو كنت أعرف، لافتتحت شركة استشارات متخصصة في تكوين الصداقات، وأصبحت أول إنسان في التاريخ يضمن لك صديقًا مقربًا خلال ثلاثين يوم عمل.

لكن الحقيقة أن الصداقة، مثل الحب تمامًا، لا تقرأ الإعلانات. لا تهتم بالسيرة الذاتية، ولا بعدد المتابعين، ولا بالمعدل الجامعي.

ولا حتى بقدرتك على فتح برطمان المخلل من أول محاولة، مع أنني شخصيًا أعتبرها مهارة تستحق الاحترام.

كل ما أعرفه أنها تختار لحظة عشوائية جدًا، ثم تقول لك: هذا الإنسان.. سيعرف عنك أشياء لن يعرفها أقرب أقربائك.

ولأنها علاقة غير منطقية، فهي تنتج مواقف غير منطقية أيضًا.

مثلًا، كيف يتحول شخص كنت تناديه بـ"حضرتك" في أول لقاء إلى شخص يدخل بيتك مباشرة دون أن يطرق الباب، ويفتح الثلاجة، ثم يقول لك وهو ينظر إلى محتوياتها: "لماذا لم تطبخي اليوم؟".

في البداية كنت أعتقد أن هذا تصرف وقح.

ثم اكتشفت أن المرحلة التي يبدأ فيها صديقك بانتقاد محتويات ثلاجتك هي إعلان رسمي أن العلاقة نجحت.

بل أعتقد أن هناك مستوى أعلى من الصداقة، وهو أن يفتح الثلاجة، ثم يأكل دون أن يسألك.

وأنت لا تغضب، بل تغضب إذا سأل؛ لأن السؤال، في هذه المرحلة، يصبح تصرفًا رسميًا أكثر من اللازم.

الأغرب من ذلك أن الأصدقاء يمتلكون ذاكرة لا أفهمها. أنا شخصيًا لا أتذكر ماذا تناولت على الغداء قبل ثلاثة أيام. أما صديقي، فيتذكر أنني منذ ثلاث سنوات، عند الساعة الرابعة والنصف تقريبًا، كنت أرتدي قميصًا أسود، وتعثرْت بدرجتين، ثم ضحكت بعد سقوطي مباشرة وقلت: "أنا أستحق هذا."

ولا أعرف لماذا يتذكر هذه الحادثة تحديدًا.

ولماذا يعتبر من واجبه الوطني أن يرويها أمام أي شخص جديد أقابله.

أحيانًا أشعر أن لكل إنسان ملفًا سريًا لدى أصدقائه. كلما حاولت أن تبدو ناضجًا ومحترمًا أمام الناس، فتحوا الملف.

"قل لهم ماذا فعلت في تلك الرحلة."

"احك لهم كيف أرسلت الرسالة إلى الشخص الخطأ."

"أخبرهم بقصة يوم كنت تبحث عن نظارتك وهي فوق رأسك."

ولا أدري لماذا يضحكون في كل مرة، رغم أنهم سمعوا القصة نفسها سبعين مرة.

لكن يبدو أن الإحراج، مثل الأفلام والأغاني القديمة، يزداد جمالًا مع الإعادة.

وفي المقابل، يمتلك الأصدقاء قدرة خارقة من نوع آخر.

قدرة لا أعرف كيف تعمل، لكنها تعمل دائمًا.

أنهم يعرفون أنك تكذب قبل أن تنهي الكذبة. يكفي أن تقول: "لا، لا.. أنا لست حزينًا."

فينظر إليك صديقك لخمس ثوانٍ فقط، ثم يقول بكل هدوء: "طيب.. احكِ لي ما حصل."

وهنا تنهار الخطة كلها.

لأنك كنت مستعدًا لخداع العالم بأكمله، إلا هذا الشخص تحديدًا.

ولا أعرف كيف يفعلون ذلك. هل يملكون جهاز كشف كذب مخفيًا؟ أم أنهم ببساطة شاهدونا في كل حالاتنا الممكنة، حتى أصبح التمثيل أمامهم مضيعة للوقت؟

ولهذا أعتقد أن الصديق الحقيقي هو الإنسان الوحيد الذي لا يصدق النسخة التي نحاول إقناع الآخرين بها.

فهو يعرف النسخة التي تضحك بصوت مرتفع عندما تكون في أسوأ مزاج.

ويعرف أن جملة "عادي" تعني غالبًا أنها ليست عادية إطلاقًا.

ولهذا يستطيع صديقك أن ينظر إليك نظرة واحدة، ويعرف أنك فعلت مصيبة.

ومن الأشياء التي تدهشني أيضًا أن الصديق الحقيقي لا يحتاج إلى برنامج مواعيد.

قد لا تراه ستة أشهر، وقد تمر الحياة بكل فوضاها، ثم تتصل به، فتبدأ المحادثة من منتصفها، وكأن آخر لقاء كان قبل نصف ساعة.

لا أحد يسأل: "كيف نكسر الجليد؟"

أي جليد؟ هذا الجليد ذاب منذ أول مرة ضحكتما فيها على نكتة ليست مضحكة أصلًا.

لكن أكثر ما يحيرني في الصداقة هو كمية الأسرار التي نضعها داخلها.

هناك لحظة معينة، لا أعرف متى تحدث، يقرر فيها الإنسان أن يسلم شخصًا آخر معلومات لو وصلت حتى إلى والدته، لاحتاج إلى تفسير طويل جدًا.

وفجأة يصبح هناك شخص يعرف كلمة مرور هاتفك.

ويعرف أنك عندما تقول: "أنا في الطريق"، فأنت لم تخرج من المنزل بعد.

ويعرف أن عبارة: "خمس دقائق" في قاموسك تعني نصف ساعة على الأقل.

والغريب أنه لا يستخدم هذه المعلومات ضدك.

بل يستخدمها ليسخر منك فقط. وهذه إحدى أعظم مزايا الصداقة.

أنها تمنح شخصًا كمية مرعبة من الأدلة ضدك، ثم تثق بأنه سيكتفي بإزعاجك بها.

صحيح أنه قد يهددك بنشر صورة غبية التقطها لك قبل ثماني سنوات. وصحيح أنه يرفض حذفها كلما طلبت منه.

لكنه، في النهاية، يحتفظ بها كوسيلة تذكير مستمرة بأن الغرور لا يناسبك.

وأنا مقتنعة أن لكل صديق وظيفة غير مكتوبة.

هناك صديق يمنعك من اتخاذ القرارات الغبية.

وهناك صديق يشجعك عليها، ثم يقف بعيدًا يشاهد النتائج.

وهناك صديق لا يقدم أي نصيحة أصلًا، لكنه يحضر معك بعد الكارثة ويقول: "كنت أعرف أنها ستنتهي هكذا."

وهذا، بالمناسبة، أكثر شخص يستحق أن تدفعه من فوق الأريكة.

بعد سنوات طويلة، اكتشفت أن الصداقة ليست أن تجد شخصًا يشبهك.

بل أن تجد شخصًا يعرف كل النسخ التي مررت بها، ويقرر البقاء.

يعرف النسخة التي كانت تظن أنها ستغير العالم.

والنسخة التي غيرت تخصصها ثلاث مرات.

والنسخة التي أعلنت بداية الحمية كل يوم اثنين.

والنسخة التي كانت مقتنعة أن الحب الأول هو الأخير.

ثم شاهدك وأنت تكتشف أن الحياة تملك حسًا ساخرًا أكثر من الجميع.

ورغم كل هذه النسخ، ما زال يرد على اتصالك، بل ويستقبلك بالحماس والحب نفسه.

وكأن السنوات لم تمر أصلًا.

لهذا، كلما حاولت أن أجد تعريفًا منطقيًا للصداقة، أفشل.

لأنها ليست قائمة على المنطق.

إنها قائمة على معجزة صغيرة جدًا.

أن يجد شخصان، من بين هذا العدد الهائل من البشر، سببًا يضحكان عليه للمرة الأولى، ثم يقضيان بقية العمر يضيفان إليه أسبابًا جديدة.

وربما لهذا السبب، عندما أفكر في أجمل الأشياء التي منحتها لي الحياة، لا أتذكر دائمًا الأماكن التي زرتها، ولا الإنجازات التي حققتها، ولا حتى الأيام التي سارت كما خططت لها.

أتذكر الأشخاص الذين جعلوا الفوضى أقل إزعاجًا، الذين حولوا المواقف المحرجة إلى نكات، والأيام السيئة إلى قصص تضحكنا بعد سنوات.

وأظن أن هذه هي المعجزة الحقيقية في الصداقة. أنها لا تجعل الحياة أسهل، بل تجعلها أكثر احتمالًا، وأكثر ضحكًا، وأقل وحدة.

وهذا، في عالمنا المزدحم بكل شيء، ليس أمرًا بسيطًا أبدًا.

ولهذا، إذا كان لا بد أن أختم هذا المقال بشيء، فسيكون كلمة شكر.

ليس فقط للأصدقاء الذين بقوا، بل حتى لأولئك الذين مرّوا ثم غادروا بهدوء، أو ضاعوا في زحام الحياة، أو افترقت الطرق بيننا بخصام أو دونه.

شكرًا لمن شاركني ضحكة ما زلت أتذكرها بعد سنوات، ولمن جعل يومًا عاديًا ذكرى جميلة، ولمن علّمني، دون أن يقصد أحيانًا، أي نوع من الأصدقاء أريد أن أكون، وأي نوع لا أريد أن أصبحه. حتى الذين تركوا وراءهم شيئًا من الخيبة، تركوا أيضًا درسًا لم أكن سأتعلمه بالطريقة نفسها.

وفي النهاية، أظن أن الإنسان لا يقاس بعدد أصدقائه، بل بعدد الذكريات التي يبتسم كلما تذكرها، حتى لو لم يعد أصحابها يجلسون حول الطاولة نفسها. وربما لهذا السبب، كلما نظرت إلى الوراء، لا أشعر أنني خسرت أصدقاء بقدر ما أشعر أنني ربحت حكايات.. وبعض الحكايات، بصراحة، تستحق الرحلة كلها.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z