د. محمد بن عوض المشيخي **
غمرتني السعادة وأنا اطلع على الردود والتعليقات من العديد من المُفكرين والكُتَّاب في دول مجلس التعاون الخليجي وعلى وجه الخصوص من قُطبي المجلس (عُمان والسعودية)؛ وذلك حول مقالي الأسبوعي المنشور في جريدة الرؤية يوم الأحد الماضي الموافق 2 أغسطس الموسوم: "عُمان.. قدر الجغرافيا"؛ فقد حملت تلك الردود مضامين جديرة بنشر لما تحمله من أهمية لشعوبنا الخليجية في زمن الحرب؛ فقدر سلطنة عُمان وموقعها الجغرافي الفريد والذي لا مثيل له في المنطقة؛ جعل منها البديل الآمن لسلسلة الإمدادات والبديل الدائم لمضيق هرمز.
ويتمحور البعد الجغرافي لأرض الغُبيراء في نقطتين أساسيتين لا غنى عنهما للأشقاء؛ هما:
1- تستطيع موانئ الدُقم وصحار وصلالة توفير بدائل لوجستية لدول مجلس التعاون الخليجي والعراق؛ عبر ربط الموانئ العُمانية بالمنافذ والطرق البرية.
2- إنشاء خطوط أنابيب من السعودية ودول المجلس عبر الربع الخالي إلى صلالة أو الدقم؛ حيث يُمكن لجهاز الاستثمار العُماني أن يتولى دراسة المشروع من الجانب الفني والمالي وتمويله إذا تطلب الأمر ذلك، بالتنسيق مع الاطراف المستفيدة؛ لكون ذلك سوف يُقلِّل الاعتماد على مضيق هرمز، ويُوفِّر مسارات أكثر أمانا لتخزين النفط ثم تصديره عبر بحر العرب.
وكانت رسالة الأستاذ سالم الغامدي من المملكة العربية السعودية الشقيقة وبالتحديد من مكة المكرمة، تُساند وتدعم هذا التوجه الاستراتيجي الذي يحمل أفكارًا خارج الصندوق في معالجة أي حصار قد يتعرض له الخليج؛ إذ استهل رسالته بعد السلام بكلمات مُعبِّرة تخترق القلوب والعقول وتُعبِّر عن العلاقات الأزلية بين المملكة والسلطنة؛ ولعل زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم لأخيه خادم الحرمين الشرفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود- حفظهما الله ورعاهما- كأول زيارة خارجية لجلالة السلطان منذ توليه مقاليد الحكم، وتعكس هذا التآخي والتقارب بين القياديتين العُمانية والسعودية منذ عقود طويلة. ويقول الغامدي في رسالته التي حملت لي الكثير من الأفكار النيرة حول معضلة هرمز:
"اسعدتني رسالتك واطلعت على الإنفوجرافيك والمقال المتميز لكم يا دكتور محمد بعنوان "عُمان.. قدر الجغرافيا"، وهذا تعليق وقراءة تحليلية على قدر معرفتي وتعذرني على اجتهادي لهذه القراءة التي تجمع بين البُعدين السياسي والاقتصادي لطرحكم الراقي؛ فالبُعد الجيوسياسي أخي العزيز (الاستقرار والأمان) والموقع الجغرافي الفريد للسلطنة بامتلاكها موانئ استراتيجية خارج مضيق هرمز يمنحها استقلالية سياسية كبرى، ويجعلها صمام أمان بعيدًا عن التوترات الإقليمية. السياسة العُمانية المتزنة تاريخيًا حوّلت هذه الجغرافيا إلى ممرات آمنة للطاقة وحفظ أمن الملاحة الدولية، مما يرسخ مكانتها كشريك دولي موثوق وبيئة آمنة جاذبة للاستثمارات. كما أن البُعد الاقتصادي (الاستدامة والمستقبل) والأرقام التي أوردتموها (مثل 22 مليار ريال عُماني كإجمالي استثمارات، ووجود أكثر من 6 مناطق حرة) تُثبت نجاح السلطنة في تحويل الميزة الجغرافية إلى تمكين اقتصادي فعلي للاستعداد لمرحلة ما بعد النفط. كما أن التركيز على الدقم كمركز عالمي، والمزيونة كبوابة لسوق يضم 43 مليون نسمة، يمثل ذكاءً استثماريًا فائقًا يترجم رؤية "عُمان 2040".
الجغرافيا وحدها لا تصنع مجدًا ما لم تقترن بإدارة حكيمة وتخطيط سليم؛ كما تفضلتم وسلطنة عُمان اليوم تقدم نموذجًا ملهمًا في كيفية ترويض "الجغرافيا السياسية الصعبة" وتحويلها إلى "ثروة استراتيجية وفرص اقتصادية واعدة" تجعلها رقمًا صعبًا في معادلة الاقتصاد العالمي الجديد. حفظ الله سلطنة عُمان الشقيقة، وبارك في نهضتها المتجددة تحت ظل القيادة الحكيمة السلطان هيثم بن طارق، وأدام عليها وارف الأمن والأمان والاستقرار والرخاء. كما أسأل الله العلي القدير أن يحفظ بلادي الغالية المملكة العربية السعودية، ويديم عزها وريادتها في ظل خادم الحرمين الشريفين وسمو سيدي ولي العهد الأمين، وأن يجمع بين بلدينا وشعبينا دائمًا على الخير والمحبة والشراكة المستدامة.
والشكر موصول لكم يا دكتور محمد على هذا الطرح الفكري النير والتحليل الاستراتيجي الراقي، نسأل الله لكم دوام التوفيق والسداد والنفع برأيكم وقلمكم السيال" (انتهت الرسالة).
وفي الختام.. يجب تذكير الجميع بأن فكرة إنشاء خط أنابيب لنقل النفط السعودي إلى جنوب سلطنة عُمان تعود إلى مطلع الثمانينيات القرن العشرين عبر صحراء الربع الخالي كواحد من الخيارات الاستراتيجية للمملكة؛ وذلك لتجنب مخاطر المرور عبر المضيق؛ لكونه يشكل هاجسًا أمنيًا للقيادة السعودية التي كانت تُصدِّر أكثر من 88% من النفط السعودي عبر هرمز قبل مارس 2026.
** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري
