أبناء الوطن يصنعون المجد

 

 

صالح الغافري

منذ فجر التاريخ كانت عُمان إمبراطورية بحرية عظيمة كتبت حضورها على خريطة العالم ببحارها الممتدة، وجبالها الراسخة، وصحرائها التي تختبر العزائم. وصاغها علماؤها بفكرهم، وأئمتها بحكمتهم، وسلاطينها بحنكتهم، وشعبها بإرادته التي لا تُقهر، ولا تلينها العواصف. من صحار خرج النحاس إلى حضارات العالم. ومن صور أبحرت السفن إلى الهند وشرق إفريقيا. ومن ظفار حمل اللبان عبقه إلى الممالك البعيدة. ومن نزوى أشرقت منارة العلم. ومن الرستاق ارتفعت الحصون تحرس التاريخ. ومن مسقط امتدت عُمان إلى العالم، وتواصلت مع الأمم، وارتبطت بتاريخ صنعته الأشرعة والموانئ والجبال والبحار.

كما أن عُمان أنجبت عبر تاريخها رجالًا تركوا بصمات خالدة، مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي، العالم واضع علم العروض، وأحمد بن ماجد، الملاح العُماني الشهير، ونور الدين السالمي، العالم والمصلح الديني، وأبي مسلم البهلاني، الشاعر والمصلح، وراشد بن عميرة، الطبيب والصيدلي.

وإذا كان الماضي قد صاغ هوية الأمة بالعزيمة والإرادة، فإن الحاضر يختبر هذه الهوية بالصبر والثبات. فالحياة ميدان تجارب تصقل النفوس وتختبر الإرادات. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة البقرة، الآية 155). فالصبر مفتاح العبور، والإيمان بأن الرزق بيد الله هو البوصلة التي توجه خطواتنا. والمؤمن الحق يرى في كل محنة منحة، وفي كل أزمة فرصة، ويحوّل الألم إلى قوة، واليأس إلى أمل. ومن بين العلماء الذين جسدوا هذا المعنى الشيخ حمود الصوافي، الذي أسس مدرسة علمية خرّجت أجيالًا من طلبة العلم، وأسهم في ترسيخ الهوية الدينية والفكرية للوطن.

الشباب هم النور الذي يكشف الطريق. فيهم الأمل الذي لا ينطفئ، وفيهم العزم الذي لا ينكسر. يتعاملون مع العثرات كخطوات نحو القوة، ويحوّلون التحديات إلى فرص عمل وبناء، ويقفون سندًا للوطن في مسيرته، شركاء في التنمية، وحملة لرسالة الصبر والإصرار.

ومن هذه الأرض الغنية بالرموز خرج شبابها ليكتبوا قصص الكفاح والإصرار، وهناك العديد من الأمثلة التي تشهد على ذلك. فمن الملاعب الترابية خرج علي الحبسي ليصبح رمزًا عالميًا في الدوري الإنجليزي الممتاز. ومن خلية نحل صغيرة صنع محمد الشنفري بستانًا من العسل يفيض على الخليج. وحتى من فرن صغير في الرستاق كان مخبز سلمان جمرة متوهجة بالعزم والإصرار، تحول إلى علامة محلية مرتبطة بالثقة والجودة. ومن بيت عامر بالأبناء ارتقت حسناء الداوودية لتكون رائدة أعمال ناجحة. وعلى قمم الجبال حلق المغامر سليمان الناعبي ليرفع علم الوطن على القمم السبع في العالم. ومن قاعات الدراسة خرج الدكتور حمد الهمامي كالنور يشع في أروقة اليونسكو ليكون صوتًا عُمانيًا حاضرًا في المحافل الدولية. ومن ساحات الفكر والإعلام برز حاتم الطائي، رائد الصحافة التنموية والمبادرات المجتمعية. ومن محراب العلم ارتقى البروفيسور خالد النبهاني، قامة علمية وعالم فيزياء، ليكون خبيرًا معتمدًا لدى وكالة الطاقة الذرية الدولية.

وفي مسيرة النهضة المتجددة برزت أسماء كرّمها الوطن بوسام سام، مثل محمد الحسان، ممثل عُمان في الأمم المتحدة، والسيد خالد بن حمد البوسعيدي، الذي أسهم في تطوير الرياضة والفنون، والسيدة حجيجة بنت جيفر آل سعيد، سفيرة المسؤولية المجتمعية، والدكتور محمد زاهر العبري في البحث العلمي والابتكار. وهؤلاء وغيرهم نماذج وشواهد على أن عُمان كانت، وما زالت، تصنع رموزًا مؤثرة، وتبقى النهضة لوحة متجددة بألوانها المتعددة.

ولم يقف العطاء عند حدود الرياضة أو التجارة، وإنما امتد إلى ميادين العلم والطب والطاقة. فمن مختبرات الطب خرج الطبيب العُماني الذي يداوي الأرواح ويكتب اسمه في سجلات البحث العلمي. ومن حقول البترول يعمل العُماني بجد وإصرار ليحوّل ثروة الأرض إلى طاقة تبني المستقبل. ومن بين قاعات الابتكار خرج المخترع العُماني بابتكاراته التي تخدم المجتمع وتفتح أبواب المستقبل. وفي ميادين القوات المسلحة وقف أبطال الوطن منافسين للدول في الانضباط والرماية والقفز الحر والفنون العسكرية الأخرى، يرفعون راية عُمان بمهارة وشجاعة، ويثبتون أن أبناءها حاضرون في كل ساحة من ساحات العطاء، في ملحمة وطنية يشارك فيها كل فرد حسب مجاله وتخصصه.

هذه ليست مجرد أسماء، وإنما نماذج وشواهد على أن النهضة واقع حي، وأن الأمل لا يُقتل ما دام في القلب إيمان. فالتاريخ يكتب أسماءهم، والوطن ينتظر منا، نحن أبناء وشباب عُمان، أن نكتب فصوله القادمة بجهدنا وكفاحنا وصبرنا وإصرارنا. إن عُمان اليوم تعانق المستقبل، وتفتح أبوابها لأبنائها ليكونوا شركاء في التنمية، حملة لرسالة الأمل، وصناعًا لفجر جديد يليق بتاريخها ومكانتها بين الأمم.

الأكثر قراءة

z