أقول لك: صبر

 

 

عائشة بنت أحمد البلوشية

النطق هو من أعجب ما يُميز الإنسان، ومنذ بدء الخليقة، كان التواصل اللغوي هو الذي صنع الفارق الذي خصَّ الله تعالى به البشر دون غيرهم من المخلوقات، واللهجات العُمانية التي تستمد جذورها من اللغة العربية الفصحى، لا تختلف عن بقية اللغات التي تتعامل بقوة الصوت ومخارجه.

لدينا ولله الحمد زخم كبير من الكلمات التي تختلف معانيها باختلاف نطقها، فكلمة (صبر...) التي تعادل فعل الأمر اصبر، هي ما نستخدمه في لهجاتنا العُمانية في مواقف كثيرة. منها على سبيل المثال إذا وصلتني رسالة على هاتفي يطلب مني صاحبها معلومة، ولا تكون تلك المعلومة حاضرة معي حينها، أرد عليه: (صبر...) مع إضافة "الإيموجي" الراكض إليها حتى يطمئن بأنني سأجلب المعلومة على وجه السرعة، فألجأ إلى هاتفي لاستخراج المطلوب إنْ كان رقمًا، أو قد تعني البيع بالأجل، عندما يقول لنا صاحب الدكان: "تدفع ولا صبر؟".

لكن (صبر) أيضًا قد تدل على التهديد والوعيد، عندما ينطقها الأب أو الأم تهيئة لعقاب قادم لأبنائهم إذا ما ارتكبوا خطأ ما، ويفضلان معاقبتهم بعيدًا عن عيون الناس، وخاصة إذا ما أضافوا للفعل "دواك في البيت"، أو بصيغة تهديد جدتي الحبيبة -رحمها الله وأسكنها فسيح جناته- (دواكن مهروك في البيت) أي أننا -أنا وشقيقتي علياء- قد تم طحن دواءنا وإعداده، وسنجده في انتظارنا عندما نصل إلى البيت. طبعًا الدواء عبارة عن لشطات بالخضرية أو الخيزرانة أو غلج لومي (وهو الأشد لسعًا)، وأنا أكيدة من أنَّ كل عُماني وعُمانية قد مرَّت عليه إحدى صيغ التهديد هذه أو غيرها التي تتبع صيغة الأمر (صبر)، وقد تأتي بمعنى انصت، أو صه، ورغم تباين اللهجات العُمانية من محافظة إلى أخرى، لكنها تتشابه في استخدام مثل هذه المفردات وقولبتها لتتواءم مع الموقف.

إننا نعيش اليوم في زمن من المُتغيِّرات في كل شيء حولنا؛ حيث بلغنا من التطور وتوافر أسباب الراحة مبلغا عظيماً، فقد أصبحت الأرض تُطوى لنا بسبب وجود السيارات السريعة، والطائرات النفاثة وقطارات الرصاصة، ونهرب من حر القيظ إلى برودة المكيفات، ونحفظ أطعمتنا في الثلاجات، وتنتشر المستشفيات حولنا متى ما احتجنا للعلاج، وأصبحت المدارس متنوعة كتنوع الفاكهة، لكن كلما زاد التقدم، زادت الأزمات تعقيدًا، وتنوعت الابتلاءات والمشاكل، ومن المستحيل بمكان أن يوجد فرد منَّا دون ابتلاء، وتختلف الابتلاءات ودرجاتها باختلاف الأشخاص، وكذلك نختلف كلنا في درجات صبرنا وتحملنا لأي مشكلة، فهناك المتبرم، وغيره المتأفف، والصابر بصمت، والساخط، والمشتكي.... إلخ.

وقد قال عزَّ قائلًا حكيمًا: {وَلَنَبلُوَنَّكُم بِشَيء مِّنَ ٱلخَوفِ وَٱلجُوعِ وَنَقص مِّنَ ٱلأَموَ ٰ⁠لِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَ ٰ⁠تِ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِینَ} (البقرة: 155)، ليبشر الصابر على البلاء بالثواب الذي قد يكون في الدنيا أو الآخرة أو الاثنين معًا، فعندما تقف الخليقة في انتظار الحساب في مشهد يوم عظيم، وعد الله تعالى الصابر في الآية 10 من سورة الزمر: {إِنَّمَا یُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجرَهُم بِغَیرِ حِسَاب}، فهل بعد هذا أجر!!

وقد وردت مفردة (صبر) ومشتقاتها 103 مرات في القرآن الكريم، في 45 سورةً، وذلك ليؤكد لنا ربنا أن للصبر قيمة عظيمة في ميزان الخصال التي يجب أن يتحلى بها المرء، وذلك بسبب صعوبة الفعل؛ فهي من الخصال التي تكتسب بالممارسة في تهذيب الذات، ولذلك رأينا سيدنا موسى عليه السلام في سورة الكهف يقول للعبد الصالح الذي أكد له بأنه لن يستطيع الصبر:

{قَالَ سَتَجِدُنِیۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ صَابِرا وَلَاۤ أَعصِی لَكَ أَمرًا} (الكهف: 69)، فقد قَرَنَ نبي الله موسى- عليه السلام- الفعل بمشيئة الله تعالى، لأنه خشي أن لا يتمكن من لجم نفسه، كما أنه جاء -أي الصبر- في القرآن الكريم كوجه من وجوه البر، كما في الآية 177 في سورة البقرة في قوله تعالى: {لَّیسَ ٱلبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُم قِبَلَ ٱلمَشرِقِ وَٱلمَغرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلبِرَّ مَن ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلیَومِ ٱلـَٔاخِرِ وَٱلمَلَـٰۤىِٕكَةِ وَٱلكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِیِّـنَ وَءَاتَى ٱلمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِی ٱلقُربَىٰ وَٱلیَتَـٰمَىٰ وَٱلمَسَـٰكِینَ وَٱبنَ ٱلسَّبِیلِ وَٱلسَّاۤىِٕلِینَ وَفِی ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلمُوفُونَ بِعَهدِهِم إِذَا عَـٰهَدُوا وَٱلصَّـٰبِرِینَ فِی ٱلبَأسَاۤءِ وَٱلضَّرَّاۤءِ وَحِینَ ٱلبَأسِ أُولَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ صَدَقُوا وَأُولَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلمُتَّقُونَ}؛ بل إنَّ الصابر يمُن عليه الله تعالى ويختصه بدرجات وكرامات لا ينالها إلا من كان عظيم الحظ، كما في قوله تعالى: {وَمَا یُلَقَّىٰهَاۤ إِلَّا ٱلَّذِینَ صَبَرُوا وَمَا یُلَقَّىٰهَاۤ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِیم} (فُصِّلت: 35). ويكفينا أن الله تعالى جعل الصابر في معيته جل في علاه؛ حيث تكرر الوعد في سورة البقرة كما جاء في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِینَ (153)}، وقوله: {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِینَ} (البقرة: 249)، فهل بعد ذلك وعد؟!

تجتاحنا الآلام والأزمات والابتلاءات في الحال والمال والعيال، لذلك يجب علينا أن نوصي بعضنا بالصبر والعزيمة الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، وسنجد الفرج واليسر والأنس بقربنا من الواحد الأحد، فمها بلغ حجم المصيبة أو الكارثة، يجب أن نتحلى بالصبر وحُسن الظن بالله، وهذا هو المكسب العظيم الذي نجنيه، لأنَّ الابتلاء إن لم يكن في ديننا، فنحن في خير عظيم لله الحمد.

-----------------------------------------

توقيع:

"كفاني عذاب الله يجازيك بفعالك/

جرحت الضمير ولا طرا لك تداويني.

مريض المحبة داه ودواه بوصالك/

ألا كيف تبخل وأنت نظرتك تشفيني.

ألا وأعذابي كيف ما عاد يهنا لك/

سوى إنك تشوف الموت بيديه يطويني"

شعر: الأمير بندر بن خالد بن عبدالعزيز

الأكثر قراءة

z