جان يعقوب جبور
منذ عقود، يشكّل ملف المقاومة في لبنان واحدًا من أكثر الملفات السياسية حساسيةً وتعقيدًا، لأنه يرتبط مباشرةً بالصراع مع الكيان الصهيوني، وبفكرة الدولة، والسيادة، والقرار الوطني، والانقسام الداخلي اللبناني.
ومع وصول الرئيس جوزاف عون إلى رئاسة الجمهورية، عاد الجدل اللبناني التقليدي ليتصاعد حول سؤال قديم متجدد: هل أصبحت المقاومة "دويلة" داخل الدولة اللبنانية؟ أم أنّ هذا الوصف يُستخدم سياسيًا لإضعافها وإرضاء الضغوط الأمريكية والإسرائيلية الساعية إلى تجريد لبنان من عناصر قوته؟ وهذا النقاش ليس جديدًا في الحياة السياسية اللبنانية، بل يعود إلى مرحلة ما بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، حين كانت الدبابات الإسرائيلية تصل إلى بيروت، وكانت الدولة اللبنانية تعيش انهيارًا شبه كامل سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا. في تلك المرحلة، ظهرت حركات مقاومة متعددة، من بينها "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية"، وأحزاب وقوى إسلامية ووطنية، قبل أن يتبلور لاحقًا "حزب الله" بدعم إيراني وسوري في بيئة جنوبية وبقاعية عانت الاحتلال المباشر، والاعتقالات، والقتل، والتدمير.
الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان استمر لسنوات طويلة، وشهد مجازر وعمليات عسكرية واسعة، من قانا إلى صور والنبطية والخيام وغيرها. وفي ظل غياب قدرة الدولة اللبنانية على مواجهة الاحتلال، تحولت المقاومة بالنسبة لشريحة واسعة من اللبنانيين إلى مشروع تحرير وطني. وخلال التسعينيات، تصاعدت عمليات المقاومة ضد الجيش الإسرائيلي وميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" بقيادة أنطوان لحد، وصولًا إلى الانسحاب الإسرائيلي من معظم الجنوب اللبناني في 25 أيار عام 2000، في حدث اعتُبر تاريخيًا في العالم العربي، إذ كان أول انسحاب إسرائيلي من أرض عربية تحت ضغط العمليات العسكرية المستمرة، ومن دون اتفاق سلام أو تنازلات سياسية.
في تلك المرحلة، برز اسم الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بوصفه رمزًا شعبيًا للمقاومة في لبنان والعالم العربي، خصوصًا بعد تحرير الجنوب. وازدادت شعبية المقاومة بعد حرب تموز عام 2006، حين شنّت إسرائيل حربًا واسعة على لبنان استمرت 33 يومًا، مستهدفة البنية التحتية، والجسور، والمطار، والضاحية الجنوبية، والقرى الجنوبية، والبقاعية. ورغم حجم الدمار الكبير وسقوط آلاف الضحايا بين شهيد وجريح، اعتبرت المقاومة أنّ صمودها ومنع إسرائيل من تحقيق أهدافها العسكرية شكّل "انتصارًا استراتيجيًا"، بينما أقرت لجان إسرائيلية لاحقًا، ومنها لجنة "فينوغراد"، بوجود إخفاقات كبيرة في أداء الجيش الإسرائيلي خلال الحرب.
لكن، في المقابل، ومنذ ما بعد عام 2005 تحديدًا، بدأ الانقسام اللبناني الداخلي يأخذ منحى أكثر حدّة بشأن سلاح المقاومة ودورها. فريق سياسي لبناني يمثل اليمين المتطرف وبعض حلفائهم رأوا أنّ استمرار وجود سلاح خارج إطار الدولة يُضعف المؤسسات ويمنع قيام دولة مركزية قوية، بينما اعتبر فريق آخر واسع أنّ الدولة اللبنانية نفسها عاجزة عن حماية البلاد في ظل التفوق العسكري الإسرائيلي، والدعم الأمريكي المفتوح لتل أبيب، وعدم تقوية وتسليح الجيش اللبناني، وأنّ المقاومة باتت جزءًا من معادلة الردع الوطنية. ومع تعاظم النفوذ الإقليمي للمقاومة بعد الحرب السورية، وارتباطها بمحور تقوده إيران والدول المعادية للكيان الصهيوني، ارتفعت الأصوات اللبنانية والعربية والدولية التي تتهمها بأنها تجاوزت مفهوم "المقاومة المحلية" إلى دور إقليمي وعسكري يتخطى حدود لبنان. في المقابل، يرى مناصرو المقاومة أنّ هذا التموضع جاء نتيجة حروب المنطقة، وصعود الجماعات المتطرفة في المنطقة، التي أصبحت في وقت لاحق شركاء للولايات المتحدة لقلب أنظمة وتغيير وجه المنطقة، واستمرار التهديد الإسرائيلي للبنان، وأنّ المقاومة لم تكن لتبقى قوية لولا شبكة الدعم الإقليمي التي تحميها.
اليوم، ومع انتخاب الرئيس جوزاف عون، يُعاد طرح ملف السلاح والمقاومة تحت عنوان "حصرية السلاح بيد الدولة" و"تنفيذ القرارات الدولية"، خصوصًا القرار 1701. ويعتبر خصوم المقاومة أنّ المرحلة الجديدة يجب أن تؤدي إلى إعادة الاعتبار الكاملة للدولة اللبنانية ومؤسساتها العسكرية والأمنية، وأنّ أي قوة مسلحة خارج إطار الجيش تُكرّس واقع "الدويلة". مع العلم أن الحلفاء الدوليين لهذه المجموعة من الأحزاب والسياسيين هم أنفسهم الداعمون الأكبر للكيان الصهيوني والرافضون لتسليح الجيش اللبناني لتقوية الدولة. بينما يرى مؤيدو المقاومة أنّ الحديث عن "الدويلة" يتجاهل حقيقة أنّ المقاومة نشأت أساسًا بسبب ضعف الدولة وتخلّي المجتمع الدولي عن حماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة. الولايات المتحدة لطالما ضغطت على لبنان في ملف سلاح المقاومة، وفرضت عقوبات على شخصيات ومؤسسات مرتبطة بحزب الله، بينما تضع إسرائيل نزع سلاح المقاومة هدفًا استراتيجيًا دائمًا (لسان حال السلطة الحالية في لبنان). ولذلك، يعتبر جزء كبير من البيئة المؤيدة للمقاومة أنّ تصاعد الخطاب ضدها داخليًا يتقاطع مع الرغبات الأميركية والإسرائيلية، خصوصًا في ظل المفاوضات الإقليمية والتغيرات التي تشهدها المنطقة.
في المقابل، هناك لبنانيون لا ينطلقون من موقع تأييد إسرائيل أو الولايات المتحدة، لكنهم يخشون من استمرار ازدواجية القرار الأمني والعسكري داخل البلاد، ويرون أنّ أي مشروع لبناء دولة حديثة يتطلب احتكار السلاح بيد المؤسسات الرسمية فقط. وهؤلاء يستشهدون بالأزمات الداخلية، والانهيار الاقتصادي، والهجرة الجماعية، والانقسام الطائفي، معتبرين أنّ لبنان لم يعد يحتمل صراعات المحاور. غير أنّ جمهور المقاومة يردّ دائمًا بسؤال أساسي: ماذا كان سيحدث لو لم تكن هناك مقاومة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي؟ ويستحضر هذا الجمهور مشاهد التحرير عام 2000، وصمود بنت جبيل، ومارون الراس، وعيتا الشعب في حرب 2006، وعمليات التبادل واستعادة الأسرى، إضافةً إلى الردود العسكرية التي فرضت قواعد اشتباك جديدة على الحدود الجنوبية. كما يرى أنّ إسرائيل نفسها لا تزال تعتبر حزب الله التهديد العسكري الأكبر على جبهتها الشمالية، ما يعني أنّ المقاومة، بالنسبة لهم، ليست "دويلة"، بل عنصر قوة وردع للبنان.
وبين هذين المنطقين، يبقى لبنان عالقًا في معادلة شديدة التعقيد: دولة ضعيفة ومأزومة، ومقاومة قوية تمتلك قاعدة شعبية كبيرة وسلاحًا وخبرة عسكرية، وضغوط دولية وإقليمية هائلة، وحدود مشتعلة مع عدو لم يتوقف يومًا عن تهديد لبنان وشن الاعتداءات عليه. أما الرئيس جوزاف عون، فيقف أمام تحدٍّ بالغ الحساسية، وهو التدخل الأميركي في قراراته لتقديم تنازلات كبرى تخدم مصلحة الكيان الصهيوني على حساب لبنان والشعب اللبناني، وضعفه المتواصل للموازنة بين خطاب الدولة والمؤسسات من جهة، وبين واقع القوة السياسية والعسكرية للمقاومة من جهة أخرى، واستخدامها كورقة قوة في أي مفاوضات يكون القرار اللبناني حرًا، وليس في المفاوضات المباشرة المذلة مع الكيان الصهيوني، الرابح الأكبر، ولبنان، بتوقيع سلطته، الخاسر الأكبر فيها. مع العلم أننا في بلد لا تُحلّ أزماته بالشعارات، واليافطات، وربطات العنق وحدها، بل بالتفاهمات الداخلية الدقيقة والشاملة. ولذلك، فإنّ مستقبل العلاقة بين الدولة والمقاومة لن يُحسم بخطاب سياسي، أو ضغط خارجي فقط، أو مفاوضات ضعيفة، بل بقدرة اللبنانيين أنفسهم على إنتاج رؤية وطنية مشتركة، واستراتيجية دفاعية، وربما عقد مؤتمر تأسيسي لنظام جديد يحمي العيش المشترك والسيادة والاستقرار معًا، في منطقة لا تزال تعيش على إيقاع الحروب والعدوان المستمر من الكيان الصهيوني والتحولات الكبرى، وخاصة أن المقاومة في لبنان ما زالت تحظى بتأييد أكثرية اللبنانيين.
