عائض الأحمد
في غفلةٍ من الزمن، وصل إلى ما لم يكن يظنه يومًا قبل غفلته، ثم ما لبث أن دعاه الماضي المستفز. فوجد نفسه بين ركام أيامه البائسة، ولم يجد حيلةً يواسي بها نفسه إلا أن يتملق ذكرياته، ويستدعي غراميات لقائه الأول، وكأنه يبحث فيها عن وهمٍ يعيد إليه ما فقده من ذاته.
كان يعلم أن حديثه يدور حوله، وأنه لا يسمعه إلا هو؛ بأطرافه المتسخة، المرقعة بخيباته المتعددة، والمتزامنة مع ما فقده في شموخه المنهار. ومع ذلك، ظل يردد هراءه القديم، غير مدرك أن أفعاله الحمقاء قد أسقطته في زبدها منذ زمن بعيد.
لقيته مستلقيًا، يعبث بشعره ويقضم شفتيه. وما إن رآني حتى أجلسني ورحب بي، كأنه وجد ضالته. ثم انهمك في استذكار ماضينا، حينما كان أسوأ حالًا مما هو عليه اليوم.
أخذ يسرد جمال أيامه، وأجمل فصول صباه، ناسيًا ـ أو متناسيًا ـ أنني كنت شاهد عصره، وعدو أوهامه.
أغراه صمتي بعد حديثه الطويل، فتوقف.
نظرت إليه وسألته: من أنت يا رجل؟
انخفض صوته، وأخذ يفتش بين كلماته عن معنى الغياب الذي خلّفه الزمن. كانت كل عبارةٍ منه استجداءً لاستعادة ما فقده، وكل حركةٍ من جسده تسترضي ما تبقى من كبريائه المنهار.
قلت له بهدوء، كأنني أحدث عقلي قبل أن أحدثه: "لقد انتهى ما كنت تبحث عنه منذ البداية، وما تبقى لك الآن ليس سوى صدى ذاتك... ولا شيء غيره".
تراجع إلى الخلف قليلًا، غير قادر على مواجهة الصمت الذي فرضته الكلمات. ذلك الصمت الذي لم يكن يخشاه في الماضي، لكنه اليوم أصبح أثقل من أن يحتمله، لأنه يزن خيباته كلها دفعةً واحدة.
وهناك أدركنا، أنا وهو، حقيقةً لا تقبل التجميل: أن التملق لا ينقذ أحدًا، وأن الإنسان حين يتملق ذاته، ويزخرف ماضيه، لا يؤجل الحقيقة، بل يؤخر مواجهتها فقط. فالذكريات لا تعيد ما مضى، والأوهام لا ترمم ما تهدم، ومن يهرب من نفسه، لن يجد في نهاية الطريق إلا نفسه.
لها: الوحيدة التي أفقدها، وأتفقدها، كلما عاد بي الزمن.
شيء من ذاته: دوامته «البوليسية» عقدت طبيعته، فعاش خرافةً تلاحقه، وأسير ظنه بأنه الهدف الأسمى والصيد السمين. فهزلت حياته، وتملكته عقدة التملق، حتى احترق، ثم أشعل النار فيما تبقى منه.
نقد: فرضية البقاء ليست ملزمةً لمن يريد أن يرحل.
