ولاية الفقيه وولي الأمر: العناصر المشتركة وأوجه الاختلاف

 

 

جان يعقوب جبور

ما جعلني أتطرق إلى هذا الموضوع هو كيفية استعمال الكيان الصهيوني والولايات المتحدة لهذه المفاهيم للاستفادة من الانقسامات الحادة في المنطقة لتنفيذ مشاريعهما الاستعمارية والتوسعية في منطقة الشرق الأوسط. ويبقى السؤال: لماذا لا يُستعمل ما يجمعهما لتنظيم السلطة وتحقيق الاستقرار وخدمة المجتمع؟

ولاية الفقيه وولي الأمر من أكثر المفاهيم إثارةً للجدل في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، ليس فقط بسبب اختلافهما الفقهي، بل أيضًا لأنهما تحوّلا خلال العقود الأخيرة إلى جزء من الصراعات السياسية والإقليمية في الشرق الأوسط. وبينما ينظر إليهما أنصارهما بوصفهما اجتهادين مختلفين لتنظيم العلاقة بين الدين والدولة والسلطة، غالبًا ما يُقدَّمان في الخطاب الإعلامي والسياسي على أنهما مشروعان متناقضان لا يمكن أن يلتقيا. وقد ساهم هذا التصوير، إلى جانب الصراعات الإقليمية، في تعميق الانقسام المذهبي والسياسي في المنطقة.

في الفقه الشيعي الاثني عشري، برز مفهوم ولاية الفقيه بصور متعددة عبر قرون طويلة، حيث ناقش الفقهاء حدود ولاية الفقيه في غيبة الإمام المهدي. إلا أن الصيغة التي تُعرف اليوم بـ"الولاية العامة للفقيه" ارتبطت بصورة خاصة بآية الله روح الله الخميني، الذي عرضها بشكل منهجي في سلسلة محاضراته في النجف عام 1970، ثم أصبحت جزءًا من الدستور الإيراني بعد قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. ووفق هذا التصور، يتولى الفقيه الجامع للشرائط قيادة الدولة والإشراف على مؤسساتها ضمن إطار دستوري وقانوني تحدده الجمهورية الإسلامية. أما مفهوم ولي الأمر في الفكر السني، فهو أقدم تاريخيًا، ويستند إلى نصوص قرآنية وحديثية، من أبرزها قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾. وقد تناول علماء مثل الماوردي (توفي 1058م) في كتابه الأحكام السلطانية، وابن تيمية (توفي 1328م)، وابن خلدون (توفي 1406م)، شروط الإمامة والحكم وواجبات الحاكم والمحكوم. ولا يوجد في الفقه السني نموذج مؤسسي واحد متفق عليه لتحديد "ولي الأمر"، بل تطورت التطبيقات التاريخية بتطور الدول الإسلامية وظروفها السياسية.

وعلى الرغم من الاختلافات، فإن المفهومين يشتركان في عدة عناصر. فكلاهما ينطلق من أن المجتمع يحتاج إلى سلطة سياسية تحفظ الأمن، وتطبق القانون، وتصون النظام العام، وكلاهما يمنح أهمية للدين بوصفه مرجعًا أخلاقيًا وتشريعيًا بدرجات متفاوتة، كما يؤكدان مسؤولية الحاكم تجاه المجتمع، وإن اختلفت آليات الرقابة والمشروعية.

وفي المقابل، تتمثل أبرز الفوارق في الأساس الفقهي وآلية الشرعية والبنية المؤسسية. ففي النموذج الإيراني، يستمد الولي الفقيه شرعيته وفق تفسير دستوري وفقهي خاص بالجمهورية الإسلامية، مع وجود مؤسسات مثل مجلس خبراء القيادة، بينما في غالبية الدول ذات الأغلبية السنية لا يوجد منصب ديني مماثل، بل تُستمد شرعية ولي الأمر من الدستور أو البيعة أو النظام السياسي القائم، بحسب كل دولة. ومن الناحية العملية، لا يمكن اختزال العالم السني أو الشيعي في نموذج واحد. ففي العراق، على سبيل المثال، يختلف نهج المرجعية الدينية في النجف عن النموذج الإيراني في مسائل تتعلق بدور المرجعية في إدارة الدولة، بينما تختلف أنظمة الحكم في السعودية والمغرب والأردن وماليزيا وإندونيسيا وغيرها في فهمها العملي لمفهوم ولي الأمر ودور المؤسسات الدينية.

هذه الفوارق الفقهية والسياسية تحولت، منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، إلى جزء من التنافس الإقليمي. فقد أدى احتجاز موظفي السفارة الأمريكية في طهران بين عامي 1979 و1981 إلى قطيعة طويلة بين الولايات المتحدة وإيران، وترافق ذلك مع حرب العراق وإيران (1980-1988)، التي عمّقت الاستقطاب السياسي والإقليمي. وفي العقود التالية، تصاعدت الخلافات حول ملفات مثل البرنامج النووي الإيراني، والعراق بعد عام 2003، والحرب السورية منذ عام 2011، واليمن منذ عام 2015، ما جعل الانقسامات السياسية تُقرأ كثيرًا من خلال عدسة الانتماء المذهبي.

وفي هذا السياق، يرى بعض الباحثين أن إسرائيل والولايات المتحدة استفادتا في بعض الأحيان من الانقسامات الإقليمية، سواء من خلال بناء تحالفات أمنية أو استراتيجيات تهدف إلى مواجهة النفوذ الإيراني أو تعزيز ترتيبات إقليمية جديدة. ويشير هؤلاء إلى أن تركيز الفاعلين الإقليميين على صراعاتهم البينية قد يصرف الاهتمام عن قضايا أخرى، وفي مقدمتها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وفي المقابل، يجادل باحثون آخرون بأن السياسات الإيرانية، وسياسات قوى إقليمية أخرى، أسهمت أيضًا في تعميق التنافس والانقسامات، وأن تفسير المشهد باعتباره نتيجة لتدخل خارجي فقط لا يعكس تعقيد الواقع.

وقد شهدت المنطقة أمثلة عديدة على توظيف الخطاب الطائفي خلال الأزمات. فبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، برزت انقسامات سياسية وطائفية حادة غذّتها عوامل داخلية وخارجية متعددة، وأدت إلى سنوات من العنف وعدم الاستقرار. كما أن الحرب السورية منذ عام 2011 حملت أبعادًا سياسية وعسكرية وإنسانية، لكنها اتخذت في كثير من الخطابات الإعلامية والسياسية طابعًا مذهبيًا ومتطرفًا، مع انخراط قوى إقليمية ودولية متعددة في النزاع، وعلى رأسها الولايات المتحدة وحليفها الكيان الصهيوني. وفي اليمن، أصبح الصراع مرتبطًا أيضًا بتنافس إقليمي واسع، رغم أن جذوره المحلية معقدة وتتجاوز البعد المذهبي وحده. وفي الخطاب الإعلامي، تُستخدم أحيانًا مفاهيم مثل "ولاية الفقيه" و"ولي الأمر" كشعارات سياسية أكثر من كونها مصطلحات فقهية، فتُقدَّم بصورة مبسطة أو نمطية تخدم الاستقطاب. وهذا التناول قد يسهم في تعزيز الصور النمطية وإغفال التنوع داخل كل مدرسة فكرية، كما قد يحول الخلافات السياسية إلى خلافات دينية يصعب احتواؤها.

وتشير تجارب تاريخية إلى أن الخلافات المذهبية لم تمنع دائمًا التعاون بين دول أو جماعات ذات مرجعيات مختلفة عندما توافرت مصالح مشتركة، كما أن الانقسام لم يكن حكرًا على العلاقة بين السنة والشيعة، إذ شهدت المنطقة أيضًا خلافات حادة بين دول أو حركات تنتمي إلى المرجعية المذهبية نفسها، ما يؤكد أن السياسة والمصالح الوطنية والإقليمية تلعب دورًا أساسيًا إلى جانب الاعتبارات الدينية.

وفي الختام، يبقى الفرق بين ولاية الفقيه وولي الأمر اختلافًا في الاجتهادات الفقهية وفي نماذج الحكم، بينما يجمعهما السعي، وفق تصورات أنصارهما، إلى تنظيم السلطة وتحقيق الاستقرار وخدمة المجتمع. أما كيفية توظيف هذه المفاهيم في الصراعات السياسية والإعلامية، فهي مسألة تختلف باختلاف الجهات والسياقات، ولا يمكن ردّها إلى سبب واحد. ففهم هذه القضايا يتطلب التمييز بين المفاهيم الدينية من جهة، والممارسات السياسية والاستراتيجيات الإقليمية والدولية من جهة أخرى، مع إدراك أن تاريخ الشرق الأوسط تشكّل بفعل تفاعل عوامل داخلية وخارجية متشابكة، لا بفعل عامل منفرد.

فلماذا لا تُستخدم هذه المفاهيم لإنتاج حكومات وحكام يخدمون أوطانهم وشعوبهم، بدلًا من إعطاء المجال لدول الغرب لاستخدامها في توظيف حكامنا وحكوماتنا، وتغيير موازين القوى، واستهلاك مواردنا، وإنجاز اتفاقات ذليلة، وشرعنة الاحتلالات، وتعميق الخلافات بين الأمة العربية والإسلامية؟

 

الأكثر قراءة

z