جان يعقوب جبور
لمصلحة من هذه العقوبات الأمريكية؟ هل هي لإنشاء أنظمة عادلة في بلدان تحكمها القوانين والسلطات الحرة؟ هل هي في الواقع لتغيير موازين القوى في البلدان لمصلحتها ومصلحة حلفائها؟ هل هي لتوظيف رؤساء وحكومات تخضع وتخنع لأوليات الولايات المتحدة، وفي الشرق الأوسط لحليفها الأول، الكيان الصهيوني؟
طبعًا الأجوبة تختلف من أي منظار سياسي حُر أو تابع، تُفسَّر هذه العقوبات. الدليل القاطع الذي لا شك به هو الدعم العسكري واللوجستي والسياسي اللامتناهي للعدو الصهيوني التي تمارسه الولايات المتحدة في العالم بتمكين قدرته التوسعية والتدميرية بعيدًا عن مبدأ الدفاع عن النفس؛ فالمسار الواضح في لبنان أن هذه العقوبات لا تدخل في محاربة الفساد والإرهاب (تعريفهما يختلف حسب المصالح والسياسة المستهدفة)؛ بل في ضرب الخط المناهض للكيان الصهيوني لخلق توازنات يُمكن أن تمكِّن من هو متعاطف معه لتوظيفهم لتقديم أقصى التنازلات سياسيًا وجغرافيًا، على غرار ما حصل في سوريا، وما يحدث الآن في المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، تحت عيون من هو طرف في هذا العدوان لصالح الكيان الصهيوني، في ظل ضغوط اقتصادية على لبنان وتقليل الموارد المتاحة له، وتقديم دعم عسكري وسياسي مستمر وواسع لإسرائيل؛ الأمر الذي يخلق اختلالًا في ميزان القوى لمصلحة الأخيرة، إضافة إلى الضغط على الأطراف المحلية لتبنِّي خيارات سياسية أو أمنية تتوافق مع الرؤية الأمريكية والتي تتطابق مع مصالح الكيان الصهيوني.
وإذا تعمَّقنا أكثر، يرى عدد من المراقبين والباحثين السياسيين أن العقوبات الأمريكية المفروضة على شخصيات وأحزاب ومؤسسات لبنانية منذ عقود تُشكِّل جزءًا من سياسة ضغطٍ واسعة تتجاوز الإطار المالي أو القانوني المُعلن، لتتحول في نظرهم إلى أداة تأثير سياسي تهدف إلى إعادة تشكيل التوازنات الداخلية اللبنانية؛ بما يتوافق مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة وبمساعدة المحور الصهيو-أمريكي من أحزاب وقوى محلية.
في المقابل، تؤكد الإدارات الأمريكية المتعاقبة أن هذه العقوبات تستهدف مكافحة الإرهاب أو الفساد أو شبكات التمويل غير المشروعة، ومن خلال الوقائع والتاريخ يتضح أنها منذ البداية أخذت مسارًا مُختلفًا لفرض أنظمة تخدم مصالحها ومصلحة الكيان الصهيوني؛ حيث أصبحت تستهدف أغلبية الشعب اللبناني وشعوب المنطقة.
بدأت الولايات المتحدة باستخدام أدوات الضغط الاقتصادي والمالي على لبنان بصورة أكثر وضوحًا بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في 25 أيار/ مايو 2000، ثم تصاعدت الإجراءات بعد حرب تموز/ يوليو 2006 بين إسرائيل وحزب الله. وفي تلك المرحلة اعتبرت واشنطن أن تنامي قوة "حزب الله" العسكرية والسياسية يُشكِّل تحديًا مباشرًا للاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، خصوصًا بعد فشل العدوان الإسرائيلي في تحقيق أهدافه العسكرية خلال الحرب التي استمرت من 12 تموز/ يوليو حتى 14 آب/ أغسطس 2006.
وفي عام 2011، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على البنك اللبناني الكندي، متهمةً إيّاه بالمساهمة في عمليات غسل أموال مرتبطة بشبكات دولية. وأدى القرار إلى إقفال البنك وبيعه لاحقًا، ما اعتبره بعض السياسيين اللبنانيين رسالة قوية إلى القطاع المصرفي اللبناني بأكمله. ومع إقرار قانون منع التمويل الدولي لحزب الله عام 2015، توسَّعت دائرة الضغوط لتشمل مؤسسات وأفرادًا وشركات اتهمتهم واشنطن بالتعامل مع الحزب أو تقديم خدمات له. وفي أيار/ مايو 2018 أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب انسحابها من الاتفاق النووي الإيراني الموقع عام 2015، وأعادت فرض عقوبات واسعة على إيران وحلفائها الإقليميين. وانعكس ذلك مباشرة على لبنان؛ حيث شهدت السنوات التالية تصعيدًا متواصلًا في العقوبات الأمريكية ضد شخصيات سياسية ومالية لبنانية. ففي تموز/ يوليو 2019، فُرِضَت عقوبات على النائبين محمد رعد وأمين شري، وفي تموز/ يوليو 2021 طالت العقوبات النائب جميل السيد، بينما شملت شخصيات أخرى على فترات مختلفة.
وفي 8 أيلول/ سبتمبر 2020، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على الوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس بموجب قانون "ماغنيتسكي". وأثار القرار جدلًا واسعًا في لبنان؛ إذ اعتبره مؤيدو العقوبات خطوة في إطار مكافحة الفساد، بينما رأى معارضوها أنها تدخل مباشر في الحياة السياسية اللبنانية ومحاولة للتأثير على التحالفات الداخلية وعلى الاستحقاقات السياسية المقبلة. وفي 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، فرضت واشنطن عقوبات على رئيس التيار الوطني الحُر جُبران باسيل. وقد جاء القرار في مرحلة شديدة الحساسية أعقبت انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/ أغسطس 2020، وفي ظل ضغوط دولية لتشكيل حكومة جديدة. واعتبر أنصار باسيل أن العقوبات ارتبطت بمواقفه السياسية وتحالفه مع حزب الله، أكثر مما ارتبطت بالملفات التي استندت إليها الإدارة الأمريكية.
وخلال الأعوام اللاحقة، استمرت الضغوط الأمريكية على لبنان بالتوازي مع المفاوضات غير المباشرة حول ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. وقد بدأت هذه المفاوضات رسميًا في تشرين الأول/ أكتوبر 2020 في الناقورة برعاية الأمم المتحدة ووساطة أمريكية قادها السفير جون ديروشر ثم آموس هوكشتاين. وانتهت بتوقيع اتفاق الترسيم في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2022 خلال عهد الرئيس ميشال عون ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي.
ويرى منتقدو السياسة الأمريكية أن واشنطن استخدمت مزيجًا من الضغوط المالية والسياسية والدبلوماسية لدفع الأطراف اللبنانية نحو خيارات معينة؛ سواء في ملف الترسيم أو في قضايا تتعلق بدور حزب الله وسلاحه ومستقبل العلاقات اللبنانية الإسرائيلية. ويستشهد هؤلاء بتصريحات عدد من المسؤولين الأمريكيين الذين ربطوا بين المساعدات الدولية والإصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة من لبنان والتي تخدم فريقًا من اللبنانيين وليس لبنان لمصلحة الكيان الصهيوني.
من جهة أخرى، تؤكد الولايات المتحدة أن دعمها لإسرائيل يُمثِّل جزءًا ثابتًا من سياستها الخارجية، وأن العقوبات المفروضة على شخصيات لبنانية تستند إلى قوانين أمريكية ومعايير تتعلق بالأمن القومي أو مكافحة الفساد. وهنا نسأل: كيف يُعرَّف الفساد برأي الإدارة الأمريكية، وخصوصًا أن هنالك العديد من السياسيين الفاسدين ولا تفرض عليهم أي عقوبات لأنهم متفقون مع سياستها ومتطابقون مع مصالح الكيان الصهيوني والسياسات الإقليمية في هذا المسار.
ومع تصاعد الحرب في غزة منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وامتداد المواجهات إلى الحدود اللبنانية الجنوبية، ازدادت الضغوط الدولية على لبنان. وبرزت أسماء مسؤولين أمريكيين مثل جو بايدن وأنتوني بلينكن وآموس هوكشتاين ومورغان أورتاغوس وغيرهم في سياق الجهود الرامية إلى منع توسع الحرب وإعادة ترتيب الوضع الأمني على الحدود.
ويرى بعض المحللين أن هذه التحركات ترافقت مع رسائل سياسية واقتصادية هدفها دفع الدولة اللبنانية نحو تبني مقاربات تتماشى مع مُتطلبات الأمن الإسرائيلي، فيما تَعتبِر واشنطن أن تحركاتها تهدف إلى تطبيق القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في 11 آب/ أغسطس 2006، ولكن من جهة واحدة لضمان المصالح الإسرائيلية.
وفي عامي 2025 و2026، استمر الجدل اللبناني حول مستقبل العقوبات الأمريكية وإمكان توسيعها لتشمل شخصيات جديدة من مختلف الاتجاهات السياسية. وأصبح موضوع العقوبات جزءًا أساسيًا من النقاش الداخلي حول السيادة الوطنية وحدود التدخل الخارجي ودور الولايات المتحدة في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
بينما يرى فريق سياسي أن العقوبات وسيلة ضغط تهدف إلى ترويض القوى الرافضة للتطبيع مع إسرائيل وإعادة صياغة المشهد اللبناني بما يخدم المصالح الإسرائيلية، وآخرها العقوبات التي فرضت على زعيم تيار المردة الوزير سليمان فرنجية، والتي تثبت بشكل قاطع أنها تستهدف فئة واحدة من اللبنانيين لتكريس واقع سياسي جديد في لبنان، لكن يجب أن تتعرفوا جيدًا على السياسة اللبنانية الحرة النظيفة التي لا تخضع لمثل هذه العقوبات وحتى لو كانت المعلومات التي تستند عليها العقوبات مسربة من الداخل اللبناني.
أما الفريق الآخر فيرى أنها أداة دولية مشروعة لوصولهم إلى الحكم والسلطة بشتى الأثمان، ناسين تاريخهم الأسود والفساد خلال الحرب الأهلية وبعده بأسلوب الكذب على أنفسهم وعلى أتباعهم ممن يطبقون قاعدة: "نكذب الكذبة ونصدقها ونمشي فيها"؛ حيث يصدقون أن هذه العقوبات تهدف محاسبة المتورطين في الفساد أو الأنشطة التي تعتبرها واشنطن مُهدِّدة للاستقرار الإقليمي وخاصة أمن الكيان الصهيوني.
العقوبات الأمريكية هي شكلٌ من أشكال النفوذ السياسي الذي ينعكس مباشرة على القرار الوطني اللبناني، ونتيجة طبيعية لصراعات إقليمية ودولية يتداخل فيها الأمن والاقتصاد والسياسة. وبما أن لبنان مستمرٌ في مواجهة تحدياته الداخلية وسط بيئة إقليمية شديدة التعقيد؛ حيث تتقاطع المصالح الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية والعربية والدولية على أرضه، ستظل هذه العقوبات تربط السلطة والأحزاب التابعة لها بمستقبل غامض يساهم في استمرار سياسة المُحاصَصة والتبعية والطائفية وإعطاء الضوء الأخضر لاستمرار الكيان الصهيوني في عدوانه على لبنان وفق معادلات المنطقة ومفاوضات لا تأتي على لبنان إلّا بمزيد من العقوبات غير المتوازنة وغير العادلة والتي تؤدي إلى شرخ أكبر في الكيان اللبناني، مع زيادة الخطورة لفتن داخلية لا يُحمد عقباها.
وأريدُ أن أختم بما قاله البروفسر جون ميرشايمر، عندما تحدث عن مقالة نُشرت في مجلة "لانسيت" العلمية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025: "مع تتبع قوانين الحظر والعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة من عام 1971 حتى 2021، فإنها تسببت في مقتل 38 مليون شخص حول العالم، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط".
