جان يعقوب جبور
من يراقب المشهد اللبناني اليوم قد يجد نفسه أمام سؤال لم يعد من السهل تجاهله: هل لا يزال لبنان يحكم نفسه بنفسه، أم أن قراره بات رهينة توازنات الخارج؟ في تقديري، لم تعد القضية مجرد نفوذ دولي تمارسه القوى الكبرى، بل أصبحت نموذجًا جديدًا من الوصاية السياسية، يمكن وصفه مجازًا بـ"المتصرفية الإمبريالية"، حيث لا تُدار البلاد بمندوب سامٍ أو بحاكم أجنبي، بل بمنظومة من الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية تجعل هامش القرار الوطني أضيق من أي وقت مضى، وأن أي قرار يُتفق عليه داخليًا يراعي مصلحة الخارج والقوى التي أنتجت الرئيس والحكومة، وهذا ما نراه جليًا في أيامنا هذه. حتى الأحزاب تنشط حسب توجيهات الخارج، مع العلم أن معظم الأحزاب اللبنانية توجهاتها خارجية وليست وطنية.
لم يعد التدخل الخارجي يقتصر على إصدار البيانات أو تقديم النصائح. فالمجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة وشركاؤها الغربيون، ومن بينهم الكيان الصهيوني، حاضر في كل الملفات اللبنانية تقريبًا: من دعم الجيش، إلى الإصلاحات الاقتصادية، إلى المفاوضات الحدودية، إلى تطبيق القرارات الدولية، وصولًا إلى المواقف المتعلقة بمستقبل السلاح والسياسة الخارجية. وهذه أدوار معلنة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو حجم التأثير الذي تمنحه للبعض في رسم الأولويات الوطنية، ودورهم الملتبس من وراء الكواليس، وبالتنسيق مع الجهات اللبنانية الحاكمة.
وجاء انتخاب الرئيس جوزاف عون في مرحلة استثنائية من تاريخ لبنان، بعد انهيار اقتصادي غير مسبوق، وفراغ رئاسي طويل، وتصاعد التوترات الأمنية. ويرى مؤيدوه أنه يمثل فرصة لإعادة بناء الدولة واستعادة ثقة المجتمع الدولي. وقد يكون هذا صحيحًا عندما يأتي الرئيس والحكومة بقرار وطني جامع يزيلون به الاختلافات ويعملون على توحيد الصفوف. ولكن هذا النهج لم يُتبع في لبنان، لا قبل الاستقلال ولا بعده، إذ إن الزمن لم ولن يعلم القيادات والرؤساء والحكومات الممارسات الوطنية الصحيحة للنهوض بالوطن. بينما يرى منتقدوه أن انتخابه جاء ضمن مناخ من التوافقات الإقليمية والدولية التي أبرزت وزنًا للعوامل الخارجية في الحياة السياسية اللبنانية. ولا يغيّر هذا الاختلاف في التقييم حقيقة أن الاهتمام الدولي بهذا الاستحقاق كان واضحًا، وخاصة بعد الوقوع في فخ المفاوضات المباشرة مع الكيان الصهيوني تحت الضغط الأمريكي، الحليف الأول والأخير لهذا العدو. ويذهب أصحاب هذا النقد إلى أن الدولة اللبنانية أصبحت مرتبطة بشبكة من الشروط السياسية والاقتصادية، بحيث يغدو الحصول على الدعم المالي أو الاستثماري أو الدبلوماسي مرتبطًا بمسارات إصلاحية وخيارات سياسية محددة، وخاصة فيما يتعلق بالتعاطف مع الكيان الصهيوني. والفارق في هذه المرحلة أن الولايات المتحدة استطاعت، من خلال السلطة اللبنانية الضعيفة، أن تصل إلى هذا الهدف بوعود تخدم الكيان الصهيوني على حساب لبنان وشعبه، وبتغيير مبدأ العدو إلى الصديق لديها. ومن هذا المنطلق، يعتبرون أن السيادة لم تعد تُقاس فقط برفع العلم أو بوجود مؤسسات دستورية، بل أيضًا بقدرة الدولة على اتخاذ قراراتها الجوهرية دون ضغوط خارجية مؤثرة.
وفي هذا السياق، تُطرح تساؤلات حول الدور الأمريكي، ومن خلفه الكيان الصهيوني، في ملفات مثل الوساطة الحدودية، والدعم العسكري، والعقوبات، والعلاقات مع المؤسسات المالية الدولية. ويرى أصحاب هذا الرأي أن هذه الأدوات تمنح واشنطن نفوذًا واسعًا في البيئة السياسية اللبنانية، فيما يرى آخرون، من أصدقاء الولايات المتحدة والمتعاطفين مع الكيان الصهيوني، أنها أدوات دبلوماسية طبيعية تستخدمها الدول الكبرى في علاقاتها الدولية، وأن قبولها أو رفضها يبقى، في نهاية المطاف، قرارًا لبنانيًا. ولكن لم يكن ولن يكون هناك قرار لبناني في زمننا، وأغلب الشعب اللبناني يعلم بأن من يدعي الآن استعادة القرار والسيادة اللبنانيين غير محق بتاتًا، ويستعمل هذه العبارات لتثبيت مواقعه وإطلاق خطابات شعبوية لا تخدم إلا أتباعه. ولا يمكن، في نظر أصحاب هذا الطرح، فصل هذا الواقع عن حالة الضعف الداخلي. فالدولة التي ينهكها الانهيار المالي، والانقسام السياسي، وغياب الإصلاح، والفكر الحزبي الضيق، والتبعية للخارج، تصبح أكثر خضوعًا للخارج. لذلك فإن المشكلة، بحسب هذا المنظور، لا تكمن فقط في حجم النفوذ الأمريكي أو الغربي، ومن ورائهم الكيان الصهيوني، بل أيضًا في عجز السلطة والنخب السياسية اللبنانية عن بناء مؤسسات قوية واقتصاد منتج يقللان الحاجة إلى المساعدات الخارجية والرضوخ لأجندات لا تخدم إلا الخارج.
وفي الخلاصة، إذا كنا نريد أن يكون لدينا قرار وطني حر وسيادة كاملة، فإنه يجب استعادة القرار الوطني بإجماع سياسي وشعبي (وهذا ما نفتقده منذ عقود)، وهذا لا يتحقق بمجرد تغيير الأشخاص أو تبديل التحالفات، بل بإقامة دولة تمتلك مقومات الصمود السياسي والاقتصادي، بحيث تكون علاقتها مع المجتمع الدولي علاقة شراكة متوازنة، لا علاقة تبعية وخضوع وخنوع. فالدول القوية تتعاون مع الخارج من موقع الندية، أما الدول الضعيفة فتجد نفسها تفاوض تحت وطأة الحاجة، كما يحصل الآن مع هذه السلطة الحالية.
